أم رباب
11-01-2008, 09:30 PM
عائشة بنت أبى بكر الصديق بن أبى قحافة .
كنيتها :
أم عبد الله .
لقبها :
الصديقة بنت الصديق - الصادقة - الحميراء - المبرأة - حبيبة حبيب الله - الموفقة - عائش .
الأم :
أم رومان بنت عامر بن عبد شمس الكنانية .
تاريخ الميلاد :
ولدت قبل الهجرة بسبع سنين .
الأزواج :
سيد الأنبياء والمرسلين - صلّى الله عليه وسلّم - .
واقامت في
مكة المكرمة ثم المدينة المنورة .
الوفاة :
توفيت عام 58 هـ ليلة الثلاثاء لسبع عشر ليلة خلت من رمضان ودفنت بالبقيع عليها سحائب رحمة الله .
n (8)هـــــــــــي:
السيدة عائشة بنت أبى بكر الصديق الصبية الصغيرة التى لم تتجاوز السادسة من عمرها ، ذات الحسب والنسب ، كريمة المنشأ ، نشأت فى أفضل بيت فى مكة المكرمة فى بيت أبى بكر الصديق الذى اشتهر بالجود والكرم والنجدة ، وأبوها أبو بكر أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو أول من آمن من الرجال وهو صاحب هجرة رسول الله صلى الله عليه و سلم وأول خليفة للمسلمين بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولدت عائشة - رضى الله عنها وأرضاها - فى الإسلام فلم تسجد لصنم قط ، فلقد ولدت فى العام السابع وقيل سنة تسع قبل الهجرة ، وعاشت السيدة عائشة طفولتها فى بيت أبى بكر الصديق وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم متزوجًا حينئذ بالسيدة خديجة ومن كرامة السيدة خديجة على- رسول الله صلى الله عليه و سلم- أنه لم يتزوج بغيرها فى حياتها و لما ماتت خديجة ولحقت بالرفيق الأعلى خطب رسول الله- صلى الله عليه و سلم- السيدة عائشة وفى خطبتها يروى لنا الإمام أحمد فى مسنده عن عائشة قالت : لما توفيت خديجة قالت خولة بنت حكيم بن الأوقص - امرأة عثمان بن مظعون - وذلك بمكة : أى رسول الله ألا تتزوج ؟ قال : " ومن ؟ " قلت : إن شئت بكرًا وإن شئت ثيبًا . قال : " فمن البكر ؟ " قلت : ابنة أحب خلق الله إليك : عائشة بنت أبى بكر . قال : " ومن الثيب ؟ " قلت : سودة بنت زمعة بن قيس ، آمنت بك واتبعتك على ما أنت عليه . قال : " فاذهبى فاذكريهما عنى " فجاءت فدخلت بيت أبى بكر فوجدت أم رومان فقالت : أى أم رومان ما أدخل الله عليكم من الخير والبركة . قالت : وما ذاك ؟ قالت : أرسلنى رسول الله- صلى الله عليه و سلم- أخطب عليه عائشة . قالت : وددت .. انتظرى أبا بكر فإنه آت ، فجاء أبو بكر فقالت : أرسلنى رسول الله - صلى الله عليه و سلم أخطب عليه عائشة . قال : وهل تصلح له إنما هى بنت أخيه . فرجعتُ إلى رسول الله - صلى الله عليه و سلم- فذكرت ذلك له فقال : " ارجعى وقولى له : أنت أخى فى الإسلام وابنتك تصلح لى " ، فأتت أبا بكر فقال : ادعِ لى رسـول الله فجاء فأنكحـه وهى يومئذ بنت سـت سـنين . وقـال رسـول الله - صلى الله عليه و سلم - " ومن الثيب ؟ " قالت : سودة بنت زمعة قد آمنت بك واتبعتك . قال : " اذهبى فاذكريها علىّ " قالت : فخرجت، فدخلتُ على سودة ،فقلت : يا سودة ما أدخل الله عليك من الخير والبركة . قالت : وما ذاك ؟ قالت : أرسلنى رسول الله- صلى الله عليه و سلم أخطبك عليه . قالت : وددت ، ادخلى على أبى ،فاذكرى ذلك له . قالت - وهو شيخ كبير قد تخلف عن الحج - : فدخلتُ عليه، فقلت : إن محمد بن عبد الله أرسلنى أخطب عليه سـودة . قال : كفء كريم ، فماذا تقول صاحبتك ؟ قالت : تحب ذلك . قال : ادعها . فدعتها فقال : إن محمد بن عبد الله أرسل يخطبك وهو كفء كريم أفتحبين أن أزوجك ؟ قالت : نعم . قال : فادعه لى ، فدعته ،فجاء فزوجها وجاء أخوها عبد بن زمعة من الحج فجعل يحثو التراب على رأسه وقال بعد أن أسلم ، إنى لسفيه يوم أحثو التراب على رأسى أن تزوج رسول الله - صلى الله عليه و سلم - سودة . وهاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يدخل بأم المؤمنين عائشة ، وتروى كتب السير أن السيدة عائشة خطبت قبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم - إلى جبير بن مطعم بن عدى وخاف أبواه عليه أن يسلم لله رب العالمين فتراجعا عن الخطبة وكان أبو بكر صاحب- رسول الله صلى الله عليه و سلم- فى طريق الهجرة ثم هاجرت زوج أبى بكر الصديق ومعها عائشة - رضى الله عنها وأرضاها - ودخل بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعمرها تسع سنين بعد غزوة بدر ، فقد أخرج أبو داود فى كتاب الأدب وابن سعد فى الطبقات عن عائشة ،رضى الله عنها وأرضاها - قالت : تزوجنى رسول الله- صلى الله عليه و سلم- وأنا بنت ست سنين وأدخلت عليه وأنا بنت تسع سنين وكنت ألعب على المرجوحة " المرجيحة " ولى جمة فأتيت وأنا ألعب عليها فأخذت فهيئت ثم أدخلت عليه وأرى صورتى فى حريرة .
- وكان زواجه بها -صلى الله عليه و سلم - فى شوال فى السنة الثانية من الهجرة وأمهرها رسول الله- صلى الله عليه و سلم-خمسمائة درهم صدًاقا لها وأسكنها فى حجرة ملاصقة للمسجد وكان النبي - صلى الله عليه و سلم- يحب عائشة حبًا شديدًا وكان يدخل عليها صويحباتها يلاعبنها ويدخلن عليها السرور، وكان يضحك من لعبها ، فقد أخرج أبو داود فى كتاب الأدب عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة قالت : قدم رسول الله- صلى الله عليه و سلم- من غزوة تبوك أو خيبر وفى سهواتها ستر ، فهبت ريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة لعب فقال : " ما هذا يا عائشة ؟ " قالت : بناتى . ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع ، فقال : " وما هذا الذى أرى وسطها ؟ " قالت : فرس ، قال : " وما هذا الذى عليه ؟ " قالت : جناحان، قال : " فرس له جناحان ؟ " قالت : أما سمعت أن لسليمان خيلاً لها أجنحة ؟ قالت : فضحك حتى رأيتُ نواجذه .
- وكان من فرط حب رسول الله-صلى الله عليه و سلم- إدخال السرور على السيدة عائشة أنه كان يسترها لتنظر إلى الحبشة وهم يلعبون بالحراب ، ففى الصحيحين عن عائشة - رضى الله عنها - قالت : لقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه و سلم- يقوم على باب حجرتى والحبشة يلعبون بالحراب فى المسجد وإنه ليسترنى بردائه لكى أنظر إلى لعبهم ثم يقف من أجلى حتى أكون أنا التى أنصرف ، وعاشت السيدة عائشة حياتها مع النبي- صلى الله عليه و سلم- تسمع وتحفظ عنه وتعى وتستفسر عما غمض وتشرح للنساء ما يستحى رسول الله -صلى الله عليه و سلم- من توضيحه حتى صارت أكثر أمهات المؤمنين علمًا قال الزهرى : لو جمع علم أزواج النبى وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل وذلك أنها عاشت مع رسول الله تسع سنوات وبضعة أشهر شهدت خلالها مولد الأمة وإقامة الدولة وتنزل الوحى وكمال الدين وتمام النعمة على رسول الله-صلى الله عليه و سلم-، وعاشت أحداث الغزوات والسرايا وما فى ذلك من الجهاد المرير وعاشت انتصار بدر ودرس أحد وأزمة الخندق وفتح مكة وعاشت أحداثًا تتصل بالدعوة
- وعايشت ما أنزل الله حقًا فى شأنها لما قيل فيها بالإفك حتى أن عروة بن الزبير قال فى شأن عائشة : ما رأيت أحدًا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة ولو لم يكن لعائشة من الفضائل إلا قصة الإفك لكفى بها .
- وكانت قصة الإفك فى طريق عودته- صلى الله عليه و سلم- من غزوة بنى المصطلق ، ولقد ضربت السيدة عائشة بحظ وافر فى الجهاد فى معارك الإسلام ، ففى غزوة أحد خرجت مع النساء تسقى الجرحى ، وفى الخندق نزلت من الحصن الذى وضع فيه النبى -صلى الله عليه و سلم - النساء والأطفال وتقدمت إلى الصفوف الأمامية حتى إن عمر بن الخطاب قال لها : ما جاء بك ؟ لعمرى إنك لجريئة . ولقد ضم رسول الله- صلى الله عليه و سلم-سائر حجر نساءه إلى المسجد إلا حجرة عائشة ، فقد بقيت ، وهى المكان الذى فيه جسد رسول الله-صلى الله عليه و سلم- وعاشت السيدة عائشة حياة رسول الله-صلى الله عليه و سلم -إلى أن لحق بربه ، فقد أخرج الإمام أحمد فى مسنده قال : خرج رسول الله- صلى الله عليه و سلم-فى جنازة بالبقيع ورجع فوجد عائشة تشكو صداعًا وتقول : وا رأسـاه . فقـال لها : " بل أنا وا رأسـاه " وأراد أن يداعـب زوجه ليخفف عنها ما ألم بها فقال : " ما ضرك لو مت قبلى وغسلتك وكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك " قالت عائشة : لكأنى بك قد فعلت ذلك ورجعت إلى بيتك فأعرست ببعض نسائك ، فتبسم رسول الله -صلى الله عليه و سلم- . ويقول ابن حنبل ثم بدئ بوجعه الذى مات فيه وكان يمرض فى بيت عائشة حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى وهو على صدر السيدة عائشة ودفن فى حجرتها وعاشت وفاة الخليفة أبى بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلىّ بن أبى طالب رضى الله عنهم جميعا.
- وعاشت السيدة عائشة حتى عام 58 هـ ودفنت بالبقيع وصلى عليها الصحابى الجليل أبو هريرة - رضى الله عنه وأرضاه - رضي الله وعمرها 65 عامًا .
n (8)مروياتها:
- اشتهرت السيدة عائشة - رضى الله عنها وأرضاها - بروايتها للحديث فقد بلغ عدد مروياتها عن رسول الله 2210 أحاديث، ولقد روت عن أبيها وعن عمر بن الخطاب وعن فاطمة الزهراء وسعد بن أبى وقاص وأسيد بن حضير وجذاعة بنت وهب وحمزة بنت عمرو.
- وروى عنها من الصحابة عمر وابنه عبد الله وأبو هريرة وأبو موسى وزيد بن خالد وعبد الله ابن عباس وربيعة بن عمر والجرشى والسائب بن يزيد وكثيرمن الصحابة والتابعين - رضى الله عنهم جميعاً.
- ولقد اتفق البخارى ومسلم لها على 174 حديثًا وانفرد البخارى بـ 54 حديثًا وانفرد مسلم بـ 69 حديثًا .
- ومما روته - رضى الله عنها وأرضاها - :
عن عائشة - رضى الله عنها وأرضاها - قالت : قدم رسول الله-صلى الله عليه و سلم- من سفر وقد سترت سهوة لى بقرام فيه تماثيل فلما رآه رسول الله-صلى الله عليه و سلم- هتكه وتلون وجهه وقال : " يا عائشة أشد الناس عذابًا عند الله تعالى يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله " (أخرجه البخارى ومسلم فى اللباس والنسائى فى الزينة) القرام : ستر رقيق .
- وما رواه البخارى عن عائشة - رضى الله عنها وأرضاها - أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يصلى إحدى عشرة ركعة - تعنى فى الليل ، يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المنادى للصلاة .
- وما اتفق عليه الرواة :عن عائشة - رضى الله عنها وأرضاها- أنها قالت للنبى- صلى الله عليه و سلم-: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟ قال : " لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسى على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبنى إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهى فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسى فإذا أنا بسحابة قد أظلتنى فنظرت فإذا فيها جبريل -عليه السلام- فنادانى فقال : إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فنادانى ملك الجبال فسلم علىّ ثم قال : يا محمد إن الله قـد سمع قـول قومك لك وأنا ملك الجبال وقد بعثنى ربى إليك لتأمرنى بأمرك فما شئت ، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين " جبلان محيطان بمكة " فقال النبى- صلى الله عليه و سلم-: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا " .
- وما اتفق عليه الرواة عن عروة عن عائشة - رضى الله عنها - أنها كانت تقول : والله ياابن أختى إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال : ثلاثة أهلة فى شهرين وما أوقد فى أبيات رسول الله -صلى الله عليه و سلم- نار قلت : يا خالة فما كان يعيشكم ؟ قالت : الأسودان : التمر والماء إلا أنه قد كان لرسول الله- صلى الله عليه و سلم- جيران من الأنصار وكانت لهم منائح " الشاة أو الناقة يعطينى صاحبها رجلاً " وكانوا يرسلون إلى رسول الله من ألبانها فيسقينا .
- وما اتفق عليه الرواة :عن عائشة-رضى الله عنها - قالت:سمع رسول الله صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما وإذا أحدهما يستوضعُ الآخر ويسترفقه فى شىء وهو يقول : والله لا أفعل ، فخرج عليهما رسول الله - صلى الله عليه و سلم - فقال : " أين المُتألِّى على الله لا يفعل المعروف ؟ فقال : أنا يا رسول الله فله أى ذلك أحب " .
يستوضعُ (يضع عنه بعض دينه) ، المُتألِّى (الحالف)
- وما رواه البخارى عن عائشة-رضى الله عنها- قالت:سألت رسول الله- صلى الله عليه و سلم -عن الالتفات فى الصلاة فقال:" هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد".
n (8)مواقفها:-
- عاشت السيدة عائشة - رضى الله عنها وأرضاها - حياة رسول الله- صلى الله عليه و سلم -وحياة الخلفاء الراشدين ولها الكثير من المواقف فى حياة رسول الله- صلى الله عليه و سلم- ومنها ما كان من قصة الإفك،فلقد كان رسول الله-صلى الله عليه و سلم- إذا خرج للغزو وأقرع بين نسائه فأيتهن أصابتها القرعة خرجت معه ، فلما كانت غزوة بنى المصطلق سنة 5 هـ وهم بطن من خزاعة يقيمون على مقربة من مكة أصابت القرعة عائشة وكانت لا تزال حديثة السن وكانت نحيفة هزيلة ، فلما فرغ رسول الله- صلى الله عليه و سلم -من غزوته وانتصر على أعدائه أراد العودة إلى المدينة والطريق إليها وعر شاق وطويل فلما وصل قريبًا من المدينة نزل مكانًا قضى فيه بعض الليل ثم أذن فى الناس بالرحيل ، و اتفق أن كانت عائشة خرجت من خيمتها لبعض حاجتها فى خارج المعسكر ، فانقطع من عنقها عقد من خرز ظفار " مدينة باليمن " ولم تشعر به فلما أرادت العودة إلى الخيمة التمست العقد فى طريقها فلم تجده فعادت تبحث عنه فى الظلام حتى وجدته واستغرقت فى البحث بعض الوقت فلما عادت إلى المعسكر وجدت القوم قد رحلوا وظن من حملوا هودجها على البعير أنها فيه لنحافتها ، فلم تجد عائشة بدًا من البقاء حيث هى وعلمت أن القوم سيعلمون بفقدها وسيعودون فى طلبها ، وتلففت بخبائها وجلست فغلبها النوم فنامت فمر بها صفوان بن المعطل السليمى على بعيره حين تنفس الصبح وكان قد تخلف عن الجيش ليلتقط ما يسقط من أمتعة الجيش ليعيدها فرأى سواد إنسان نائم فتفرس فيه،فإذا هى عائشة ،فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ،فاستيقظت عائشة على استرجاعه ، فقدم بعيره وابتعد عنه حتى ركبت ، ثم قاد البعير إلى المدينة ، لم تكلمه ولم يكلمها ، وأدرك الجيش بالمدينة، فلما دخل المدينة كان فى وضح النهار ، ونزلت عائشة ودخلت منزلها ولم يخطر ببال أحد من المسلمين مظنة السوء فى زوج رسول الله -صلى الله عليه و سلم-وابنة أبى بكر الصديق ، ووقع المنافقون فى عائشة وتهامسوا فى عرضها ،وقالوا ما نجت عائشة من صفوان وما نجا منها، وبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه و سلم - ، واتفق أن مرضت عائشة ولم يحدثها رسول الله- صلى الله عليه و سلم - بالأمر إلا أنها أنكرت فى نفسها جفوة رسول الله - صلى الله عليه و سلم - لها واستأذنته أن تمـرض فى بيت أبيها . والقصـة رواها الإمام البخارى عن عائشة - رضى الله عنها وأرضاها - أنها قالت : كان رسول الله -صلى الله عليه و سلم- إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه و سلم .
- قالت عائشة : فأقرع بيننا فى غزوة غزاها فخرج سهمى فخرجت مع رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - بعد ما نزل الحجاب فأنا أُحمل فى هودجى وأنزل فيه فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله- صلى الله عليه و سلم -من غزوته تلك وقفل آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأنى أقبلت إلى رحلى فإذا عقد من جزع ظفار قد انقطع ، فالتمست عقدى وحبسنى ابتغاؤه وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لى فاحتملوا هودجى فرحلوه على بعيرى الذى كنت ركبت وهم يحسبون أنى فيه وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يثقلهن اللحم إنما يأكلن العُلقة من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا فوجدت عقدى بعد ما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فأممت منزلى الذى كنت به وظننت أنهم سيفقدوننى فيرجعون إلىّ فبينما أنا جالسة فى منزلى غلبتنى عينى فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمى ثم الذكوانى من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلى فرأى سواد إنسان نائم فأتانى ، فعرفني حين رآنى وكان يرانى قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفنى ،فخمرت وجهى بجلبابى، والله ما كلمنى كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حتى أناخ راحلته، فوطئ على يديها فركبتها، فانطلق يقود بى الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين فى نحر الظهيرة فهلك من هلك وكان الذى تولى الإفك عبد الله بن أبى بن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمتُ شهرًا والناس يفيضون فى قول أصحاب الإفك ولا أشعر بشىء من ذلك وهو يريبنى فى وجعى أنى لا أعرف من رسول الله - صلى الله عليه و سلم - اللطف الذى كنت أرى منه حين أشتكى إنما يدخل علىّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيسلم ثم يقول كيف تيكم ثم ينصرف، فذلك الذى يريبنى ولا أشعر بالشر، حتى خرجت بعد ما نقهت، فخرجت معى أم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبًا من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول فى التبرز قبل الغائط، فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا فانطلقت أنا وأم مسطح( وهى ابنة أبى رهم بن عبد مناف وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبى بكر الصديق وابنها مسطح ابن أثاثة)، فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتى وقد فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح فى مرطعها، فقالت : تعس مسطح ، فقلت لها : بئس ما قلت أتسبين رجـلاً شهد بدرًا ؟ قالت : أى هنتاه أو لم تسمعى ما قال ؟ قالت : قلت : وما قال ؟ فأخبرتنى بقول أهل الإفك، فازددت مرضًا على مرضى، فلما رجعت إلى بيتى ودخل علىّ رسول الله صلى الله عليه و سلم - فسلم ثم قال : " كيف تيكم ؟ " فقلت أتأذن لى أن آتى أبوى . قالت : وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما قالت : فأذن لى رسول الله ، فجئت أبوىّ، فقلت لأمى : يا أمتاه ما يتحدث الناس ؟ قالت : يا بنية هونى عليك، فوالله لقلما كانت امرأة وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها . قالت : فقلت : سبحان الله أو لقد تحدث الناس بهذا ؟! قالت : فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لى دمع ولا أكتحل بنوم حتى أصبحت أبكى، فدعا رسول الله - صلى الله عليه و سلم-علىّ بن أبى طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحى يستأمرهما فى فراق أهله . قالت : فأماأسامة بن زيد فأشار على رسول الله بالذى يعلم من براءة أهله وبالذى يعلم لهم فى نفسه من الود، فقال : يا رسول الله أهلك وما نعلم إلا خيرًا وأما علىّ، فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تَصدُقك فدعا رسول الله - صلى الله عليه و سلم - بريرة فقال : " أى بريرة هل رأيت من شىء يريبك ؟ " قالت بريرة : لا والذى بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرًا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتى الداجن، فتأكله، فقام رسول الله، فاستعذر يومئذ من عبد الله ابن أبي بن سلول فقال رسول الله : صلى الله عليه و سلم -: وهوعلى المنبر : " يا معشر المسلمين من يعذرنى من رجل قد بلغنى أذاه فى أهل بيتى ؟ فوالله ما علمت على أهلى إلا خيرًا ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيرًا وما كان يدخل على أهلى إلا معى " ،فقام سعد بن معاذ الأنصارى فقال : يا رسول الله وأنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك . قالت : فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان قبل ذلك رجلاً صالحًا ولكن احتملته الحمية، فقال لسعد : كذبت لعمرُ الله لا تقتله ولا تقدر على قتله . فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة : كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فتساور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله - صلى الله عليه و سلم - قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله- صلى الله عليه و سلم- يخفضهم حتى سكتوا وسكت . قالت : فمكثت يومى لا يرقأ لى دمع ولا أكتحل بنوم . قالت : فأصبح أبواى عندى وقد بكيت ليلتين ويوم لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لى دمع يظنان أن البكاء فالق كبدى . قالت : فبينما هم جالسان عندى، دخل علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم ،فسلم ثم جلس . قالت : ولم يجلس عندى منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه فى شأنى . قالت : فتشهد رسول الله حين جلس ثم قال : " أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغنى عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفرى الله وتوبى إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه " قالت : فلما قضى رسول الله مقالته، قلص دمعى حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبى : أجب رسول الله فيما قال . قال : والله ما أدرى ما أقول لرسول الله -صلى الله عليه و سلم- فقلت لأمي أجيبي رسول الله ،قالت ما أدري ما أقول له قالت : فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرًا من القرآن : إنى والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر فى أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم إنى بريئة - والله يعلم أنى بريئة - لا تصدقونى بذلك ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أنى منه بريئة لتصدقنى والله ما أجد لكم مثلاً إلا قول أبى يوسف " فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون " قالت : ثم تحولت، فاضطجعت على فراشى . قالت : وأنا أعلم أنى بريئة وأن الله مبرئى ببراءتى ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل فى شأنى وحيًا يتلى ولشأنى فى نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فىّ بأمر يتلى ولكن كنت أرجوأن يري رؤيا يبرئني بها قالت: فوالله ما قام رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه: فأخذه ما كان يأخذه من البُرحاء حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق وهو فى يوم شات من ثقل القول الذى ينزل عليه . قالت : فلما سرى عن رسول الله صلى الله عليه و سلم سُّرى عنه وهو يضحك ،فكانت أول كلمة تكلم بها : " ياعائشة أما الله فقد برَّأك " فقالت أمى: قومى إليه. قالت : فقلت : والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله وأنزل الله تعالى :" إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ .." (سورة النور آية 11) العشر آيات كلها، فلما أنزل الله براءتي قال أبو بكر الصديق- رضى الله عنه- وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره، والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد ما قال عن عائشة ما قال ، فأنزل الله تعالى:" وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِى الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " (سورة النور آية 22) قال أبو بكر : والله إنى أحب أن يغفر الله لى ، فرجع إلى النفقة التى كان ينفق عليه وقال : والله لا أنزعُها منه أبدًا . قالت عائشة : وكان رسول الله يسأل زينب بنت جحش عن أمـرى فقال : " يا زينب ماذا علمت أو رأيت " فقالت : يا رسول الله أحمى سمعى وبصرى ما علمت إلا خيرًا . قالت : وهى التى كانت تسامينى من أزواج رسول الله - صلى الله عليه و سلم-عصمها الله بالورع وطفقت أختها حمنة تحارب لها، فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك .
- وكان رسول الله - صلى الله عليه و سلم - يستدل بوجه عائشة عن رضاها وغضبها ، فلقد أخرج الإمام مسلم عن عائشة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه و سلم- : " إنى لأعلم إذا كنت علىّ غضبى " قالت : فقلت : وبم تعرف ذلك يا رسول الله ؟ قال : " إذا كنت راضية تقولين لا ورب محمد ، وإذا كنت علىّ غضبى قلت : لا ورب إبراهيم " قلت : أجل ما أهجر إلا اسمك .(وأخرجه أيضًا أبو حاتم) .
- ومن مواقفهاالمشهورة: موقفها فى معركة الجمل ، وعن موقعة الجمل يقول القرطبى معلقًا على ذلك : وأما خروجها - أى عائشة - رضى الله عنها - إلى حرب الجمل، فما خرجت لحرب ولكن تعلق بها الناس وشكوا إليها ما صاروا إليه من عظيم الفتنة وتهارج الناس ورجوا بركتها وطمعوا فى استحياء الناس منها، فخرجت مقتدية بقوله تعالى :" لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ " (النساء آية 114) . وقوله :" وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا " (الحجرات آية 9) . والأمر بالإصلاح مخاطب به كل الناس ولكن الله تعالى بسابق قضائه ونافذ حكمه أن لا يقع إصلاح ولكن مطاعنات وجراح حتى كاد يفنى الفريقان فعمد بعضهم إلى الجمل فعرقبه " ضرب عرقوبه " فلما سقط لجنبه أدرك محمـد بن أبى بكـر عائشـة - رضى الله عنها - فاحتملها إلى البصرة وخرجت فى ثلاثين امرأة قرنهن علىّ بها حتى أوصلوها إلى المدينة برة تقية مجتهدة مصيبة فيما تأولت مأجورة فيما فعلت .
- وكان رسول الله- صلى الله عليه و سلم - ينفق على نسائه بما أنعم الله تعالى عليه واجتمعت نساء النبى - صلى الله عليه و سلم- يسألنه النفقة، فأنزل الله تعالى على رسوله.
- وبدأ رسول الله - صلى الله عليه و سلم - بعائشة يخيرها بينه وبين الدنيا فقد أخرج الإمام مسلم والبخارى فى تفسير (سورة الأحزاب) قال : " يا عائشة إنى ذاكر لك أمرًا ما أحب أن تعجلى فيه حتى تستشيرى أبويك " قالت : ما هو ؟ فتلا عليها :" يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ " الآية . فقالت عائشة - رضى الله عنها وأرضاها - : أفيك أستأمر أبوى ؟ بل أختار الله ورسوله وأسألك أن لا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت . فقال : " إن الله تعالى لم يبعثنى متعنتًا ولكن بعثنى معلمًا ومبشرًا لا تسألنى امرأة منهن شيئًا إلا أخبرتها " .
- ولما قتل محمد بن أبى بكر فى مصر وكان الإمام علىّ بن أبى طالب قد ولاه عليها، فقتله أتباع معاوية لذا حرص معاوية أن يحسن علاقته مع السيدة عائشة وكانت عائشة قد جزعت لذلك جزعًا شديدًا وبقيت شهرًا كاملاً تدعو على معاوية وضمت عيال أخيها إليها ترعاهم وترأف بهم ، ولما قتل معاوية حجر بن عدى أنكرت عليه عائشة ذلك وكان معاوية يترضاها ويرسل إليها الصلات والعطايا ويكتب إليها طالبًا النصيحة ، فكتبت إليه قائلة : من طلب محامد الناس بمعاصى الله سخط الله عليه وأسخط الناس عليه .
- وكان رسول الله - صلى الله عليه و سلم - يحب عائشة ويكرمها ويلاعبها حتى أنه كان يسابقها فى الجرى فتسبقه ويسبقها ، فقد أخرج البخارى عن عائشة - رضى الله عنها وأرضاها - :قالت : سابقنى رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فسبقته حتى إذا أرهقنى اللحم" أى ثقل وزنى " سابقنى فسبقنى فقال : " هذه بتلك " .
يتبع....
كنيتها :
أم عبد الله .
لقبها :
الصديقة بنت الصديق - الصادقة - الحميراء - المبرأة - حبيبة حبيب الله - الموفقة - عائش .
الأم :
أم رومان بنت عامر بن عبد شمس الكنانية .
تاريخ الميلاد :
ولدت قبل الهجرة بسبع سنين .
الأزواج :
سيد الأنبياء والمرسلين - صلّى الله عليه وسلّم - .
واقامت في
مكة المكرمة ثم المدينة المنورة .
الوفاة :
توفيت عام 58 هـ ليلة الثلاثاء لسبع عشر ليلة خلت من رمضان ودفنت بالبقيع عليها سحائب رحمة الله .
n (8)هـــــــــــي:
السيدة عائشة بنت أبى بكر الصديق الصبية الصغيرة التى لم تتجاوز السادسة من عمرها ، ذات الحسب والنسب ، كريمة المنشأ ، نشأت فى أفضل بيت فى مكة المكرمة فى بيت أبى بكر الصديق الذى اشتهر بالجود والكرم والنجدة ، وأبوها أبو بكر أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو أول من آمن من الرجال وهو صاحب هجرة رسول الله صلى الله عليه و سلم وأول خليفة للمسلمين بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولدت عائشة - رضى الله عنها وأرضاها - فى الإسلام فلم تسجد لصنم قط ، فلقد ولدت فى العام السابع وقيل سنة تسع قبل الهجرة ، وعاشت السيدة عائشة طفولتها فى بيت أبى بكر الصديق وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم متزوجًا حينئذ بالسيدة خديجة ومن كرامة السيدة خديجة على- رسول الله صلى الله عليه و سلم- أنه لم يتزوج بغيرها فى حياتها و لما ماتت خديجة ولحقت بالرفيق الأعلى خطب رسول الله- صلى الله عليه و سلم- السيدة عائشة وفى خطبتها يروى لنا الإمام أحمد فى مسنده عن عائشة قالت : لما توفيت خديجة قالت خولة بنت حكيم بن الأوقص - امرأة عثمان بن مظعون - وذلك بمكة : أى رسول الله ألا تتزوج ؟ قال : " ومن ؟ " قلت : إن شئت بكرًا وإن شئت ثيبًا . قال : " فمن البكر ؟ " قلت : ابنة أحب خلق الله إليك : عائشة بنت أبى بكر . قال : " ومن الثيب ؟ " قلت : سودة بنت زمعة بن قيس ، آمنت بك واتبعتك على ما أنت عليه . قال : " فاذهبى فاذكريهما عنى " فجاءت فدخلت بيت أبى بكر فوجدت أم رومان فقالت : أى أم رومان ما أدخل الله عليكم من الخير والبركة . قالت : وما ذاك ؟ قالت : أرسلنى رسول الله- صلى الله عليه و سلم- أخطب عليه عائشة . قالت : وددت .. انتظرى أبا بكر فإنه آت ، فجاء أبو بكر فقالت : أرسلنى رسول الله - صلى الله عليه و سلم أخطب عليه عائشة . قال : وهل تصلح له إنما هى بنت أخيه . فرجعتُ إلى رسول الله - صلى الله عليه و سلم- فذكرت ذلك له فقال : " ارجعى وقولى له : أنت أخى فى الإسلام وابنتك تصلح لى " ، فأتت أبا بكر فقال : ادعِ لى رسـول الله فجاء فأنكحـه وهى يومئذ بنت سـت سـنين . وقـال رسـول الله - صلى الله عليه و سلم - " ومن الثيب ؟ " قالت : سودة بنت زمعة قد آمنت بك واتبعتك . قال : " اذهبى فاذكريها علىّ " قالت : فخرجت، فدخلتُ على سودة ،فقلت : يا سودة ما أدخل الله عليك من الخير والبركة . قالت : وما ذاك ؟ قالت : أرسلنى رسول الله- صلى الله عليه و سلم أخطبك عليه . قالت : وددت ، ادخلى على أبى ،فاذكرى ذلك له . قالت - وهو شيخ كبير قد تخلف عن الحج - : فدخلتُ عليه، فقلت : إن محمد بن عبد الله أرسلنى أخطب عليه سـودة . قال : كفء كريم ، فماذا تقول صاحبتك ؟ قالت : تحب ذلك . قال : ادعها . فدعتها فقال : إن محمد بن عبد الله أرسل يخطبك وهو كفء كريم أفتحبين أن أزوجك ؟ قالت : نعم . قال : فادعه لى ، فدعته ،فجاء فزوجها وجاء أخوها عبد بن زمعة من الحج فجعل يحثو التراب على رأسه وقال بعد أن أسلم ، إنى لسفيه يوم أحثو التراب على رأسى أن تزوج رسول الله - صلى الله عليه و سلم - سودة . وهاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يدخل بأم المؤمنين عائشة ، وتروى كتب السير أن السيدة عائشة خطبت قبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم - إلى جبير بن مطعم بن عدى وخاف أبواه عليه أن يسلم لله رب العالمين فتراجعا عن الخطبة وكان أبو بكر صاحب- رسول الله صلى الله عليه و سلم- فى طريق الهجرة ثم هاجرت زوج أبى بكر الصديق ومعها عائشة - رضى الله عنها وأرضاها - ودخل بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعمرها تسع سنين بعد غزوة بدر ، فقد أخرج أبو داود فى كتاب الأدب وابن سعد فى الطبقات عن عائشة ،رضى الله عنها وأرضاها - قالت : تزوجنى رسول الله- صلى الله عليه و سلم- وأنا بنت ست سنين وأدخلت عليه وأنا بنت تسع سنين وكنت ألعب على المرجوحة " المرجيحة " ولى جمة فأتيت وأنا ألعب عليها فأخذت فهيئت ثم أدخلت عليه وأرى صورتى فى حريرة .
- وكان زواجه بها -صلى الله عليه و سلم - فى شوال فى السنة الثانية من الهجرة وأمهرها رسول الله- صلى الله عليه و سلم-خمسمائة درهم صدًاقا لها وأسكنها فى حجرة ملاصقة للمسجد وكان النبي - صلى الله عليه و سلم- يحب عائشة حبًا شديدًا وكان يدخل عليها صويحباتها يلاعبنها ويدخلن عليها السرور، وكان يضحك من لعبها ، فقد أخرج أبو داود فى كتاب الأدب عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة قالت : قدم رسول الله- صلى الله عليه و سلم- من غزوة تبوك أو خيبر وفى سهواتها ستر ، فهبت ريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة لعب فقال : " ما هذا يا عائشة ؟ " قالت : بناتى . ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع ، فقال : " وما هذا الذى أرى وسطها ؟ " قالت : فرس ، قال : " وما هذا الذى عليه ؟ " قالت : جناحان، قال : " فرس له جناحان ؟ " قالت : أما سمعت أن لسليمان خيلاً لها أجنحة ؟ قالت : فضحك حتى رأيتُ نواجذه .
- وكان من فرط حب رسول الله-صلى الله عليه و سلم- إدخال السرور على السيدة عائشة أنه كان يسترها لتنظر إلى الحبشة وهم يلعبون بالحراب ، ففى الصحيحين عن عائشة - رضى الله عنها - قالت : لقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه و سلم- يقوم على باب حجرتى والحبشة يلعبون بالحراب فى المسجد وإنه ليسترنى بردائه لكى أنظر إلى لعبهم ثم يقف من أجلى حتى أكون أنا التى أنصرف ، وعاشت السيدة عائشة حياتها مع النبي- صلى الله عليه و سلم- تسمع وتحفظ عنه وتعى وتستفسر عما غمض وتشرح للنساء ما يستحى رسول الله -صلى الله عليه و سلم- من توضيحه حتى صارت أكثر أمهات المؤمنين علمًا قال الزهرى : لو جمع علم أزواج النبى وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل وذلك أنها عاشت مع رسول الله تسع سنوات وبضعة أشهر شهدت خلالها مولد الأمة وإقامة الدولة وتنزل الوحى وكمال الدين وتمام النعمة على رسول الله-صلى الله عليه و سلم-، وعاشت أحداث الغزوات والسرايا وما فى ذلك من الجهاد المرير وعاشت انتصار بدر ودرس أحد وأزمة الخندق وفتح مكة وعاشت أحداثًا تتصل بالدعوة
- وعايشت ما أنزل الله حقًا فى شأنها لما قيل فيها بالإفك حتى أن عروة بن الزبير قال فى شأن عائشة : ما رأيت أحدًا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة ولو لم يكن لعائشة من الفضائل إلا قصة الإفك لكفى بها .
- وكانت قصة الإفك فى طريق عودته- صلى الله عليه و سلم- من غزوة بنى المصطلق ، ولقد ضربت السيدة عائشة بحظ وافر فى الجهاد فى معارك الإسلام ، ففى غزوة أحد خرجت مع النساء تسقى الجرحى ، وفى الخندق نزلت من الحصن الذى وضع فيه النبى -صلى الله عليه و سلم - النساء والأطفال وتقدمت إلى الصفوف الأمامية حتى إن عمر بن الخطاب قال لها : ما جاء بك ؟ لعمرى إنك لجريئة . ولقد ضم رسول الله- صلى الله عليه و سلم-سائر حجر نساءه إلى المسجد إلا حجرة عائشة ، فقد بقيت ، وهى المكان الذى فيه جسد رسول الله-صلى الله عليه و سلم- وعاشت السيدة عائشة حياة رسول الله-صلى الله عليه و سلم -إلى أن لحق بربه ، فقد أخرج الإمام أحمد فى مسنده قال : خرج رسول الله- صلى الله عليه و سلم-فى جنازة بالبقيع ورجع فوجد عائشة تشكو صداعًا وتقول : وا رأسـاه . فقـال لها : " بل أنا وا رأسـاه " وأراد أن يداعـب زوجه ليخفف عنها ما ألم بها فقال : " ما ضرك لو مت قبلى وغسلتك وكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك " قالت عائشة : لكأنى بك قد فعلت ذلك ورجعت إلى بيتك فأعرست ببعض نسائك ، فتبسم رسول الله -صلى الله عليه و سلم- . ويقول ابن حنبل ثم بدئ بوجعه الذى مات فيه وكان يمرض فى بيت عائشة حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى وهو على صدر السيدة عائشة ودفن فى حجرتها وعاشت وفاة الخليفة أبى بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلىّ بن أبى طالب رضى الله عنهم جميعا.
- وعاشت السيدة عائشة حتى عام 58 هـ ودفنت بالبقيع وصلى عليها الصحابى الجليل أبو هريرة - رضى الله عنه وأرضاه - رضي الله وعمرها 65 عامًا .
n (8)مروياتها:
- اشتهرت السيدة عائشة - رضى الله عنها وأرضاها - بروايتها للحديث فقد بلغ عدد مروياتها عن رسول الله 2210 أحاديث، ولقد روت عن أبيها وعن عمر بن الخطاب وعن فاطمة الزهراء وسعد بن أبى وقاص وأسيد بن حضير وجذاعة بنت وهب وحمزة بنت عمرو.
- وروى عنها من الصحابة عمر وابنه عبد الله وأبو هريرة وأبو موسى وزيد بن خالد وعبد الله ابن عباس وربيعة بن عمر والجرشى والسائب بن يزيد وكثيرمن الصحابة والتابعين - رضى الله عنهم جميعاً.
- ولقد اتفق البخارى ومسلم لها على 174 حديثًا وانفرد البخارى بـ 54 حديثًا وانفرد مسلم بـ 69 حديثًا .
- ومما روته - رضى الله عنها وأرضاها - :
عن عائشة - رضى الله عنها وأرضاها - قالت : قدم رسول الله-صلى الله عليه و سلم- من سفر وقد سترت سهوة لى بقرام فيه تماثيل فلما رآه رسول الله-صلى الله عليه و سلم- هتكه وتلون وجهه وقال : " يا عائشة أشد الناس عذابًا عند الله تعالى يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله " (أخرجه البخارى ومسلم فى اللباس والنسائى فى الزينة) القرام : ستر رقيق .
- وما رواه البخارى عن عائشة - رضى الله عنها وأرضاها - أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يصلى إحدى عشرة ركعة - تعنى فى الليل ، يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المنادى للصلاة .
- وما اتفق عليه الرواة :عن عائشة - رضى الله عنها وأرضاها- أنها قالت للنبى- صلى الله عليه و سلم-: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟ قال : " لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسى على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبنى إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهى فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسى فإذا أنا بسحابة قد أظلتنى فنظرت فإذا فيها جبريل -عليه السلام- فنادانى فقال : إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فنادانى ملك الجبال فسلم علىّ ثم قال : يا محمد إن الله قـد سمع قـول قومك لك وأنا ملك الجبال وقد بعثنى ربى إليك لتأمرنى بأمرك فما شئت ، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين " جبلان محيطان بمكة " فقال النبى- صلى الله عليه و سلم-: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا " .
- وما اتفق عليه الرواة عن عروة عن عائشة - رضى الله عنها - أنها كانت تقول : والله ياابن أختى إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال : ثلاثة أهلة فى شهرين وما أوقد فى أبيات رسول الله -صلى الله عليه و سلم- نار قلت : يا خالة فما كان يعيشكم ؟ قالت : الأسودان : التمر والماء إلا أنه قد كان لرسول الله- صلى الله عليه و سلم- جيران من الأنصار وكانت لهم منائح " الشاة أو الناقة يعطينى صاحبها رجلاً " وكانوا يرسلون إلى رسول الله من ألبانها فيسقينا .
- وما اتفق عليه الرواة :عن عائشة-رضى الله عنها - قالت:سمع رسول الله صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما وإذا أحدهما يستوضعُ الآخر ويسترفقه فى شىء وهو يقول : والله لا أفعل ، فخرج عليهما رسول الله - صلى الله عليه و سلم - فقال : " أين المُتألِّى على الله لا يفعل المعروف ؟ فقال : أنا يا رسول الله فله أى ذلك أحب " .
يستوضعُ (يضع عنه بعض دينه) ، المُتألِّى (الحالف)
- وما رواه البخارى عن عائشة-رضى الله عنها- قالت:سألت رسول الله- صلى الله عليه و سلم -عن الالتفات فى الصلاة فقال:" هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد".
n (8)مواقفها:-
- عاشت السيدة عائشة - رضى الله عنها وأرضاها - حياة رسول الله- صلى الله عليه و سلم -وحياة الخلفاء الراشدين ولها الكثير من المواقف فى حياة رسول الله- صلى الله عليه و سلم- ومنها ما كان من قصة الإفك،فلقد كان رسول الله-صلى الله عليه و سلم- إذا خرج للغزو وأقرع بين نسائه فأيتهن أصابتها القرعة خرجت معه ، فلما كانت غزوة بنى المصطلق سنة 5 هـ وهم بطن من خزاعة يقيمون على مقربة من مكة أصابت القرعة عائشة وكانت لا تزال حديثة السن وكانت نحيفة هزيلة ، فلما فرغ رسول الله- صلى الله عليه و سلم -من غزوته وانتصر على أعدائه أراد العودة إلى المدينة والطريق إليها وعر شاق وطويل فلما وصل قريبًا من المدينة نزل مكانًا قضى فيه بعض الليل ثم أذن فى الناس بالرحيل ، و اتفق أن كانت عائشة خرجت من خيمتها لبعض حاجتها فى خارج المعسكر ، فانقطع من عنقها عقد من خرز ظفار " مدينة باليمن " ولم تشعر به فلما أرادت العودة إلى الخيمة التمست العقد فى طريقها فلم تجده فعادت تبحث عنه فى الظلام حتى وجدته واستغرقت فى البحث بعض الوقت فلما عادت إلى المعسكر وجدت القوم قد رحلوا وظن من حملوا هودجها على البعير أنها فيه لنحافتها ، فلم تجد عائشة بدًا من البقاء حيث هى وعلمت أن القوم سيعلمون بفقدها وسيعودون فى طلبها ، وتلففت بخبائها وجلست فغلبها النوم فنامت فمر بها صفوان بن المعطل السليمى على بعيره حين تنفس الصبح وكان قد تخلف عن الجيش ليلتقط ما يسقط من أمتعة الجيش ليعيدها فرأى سواد إنسان نائم فتفرس فيه،فإذا هى عائشة ،فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ،فاستيقظت عائشة على استرجاعه ، فقدم بعيره وابتعد عنه حتى ركبت ، ثم قاد البعير إلى المدينة ، لم تكلمه ولم يكلمها ، وأدرك الجيش بالمدينة، فلما دخل المدينة كان فى وضح النهار ، ونزلت عائشة ودخلت منزلها ولم يخطر ببال أحد من المسلمين مظنة السوء فى زوج رسول الله -صلى الله عليه و سلم-وابنة أبى بكر الصديق ، ووقع المنافقون فى عائشة وتهامسوا فى عرضها ،وقالوا ما نجت عائشة من صفوان وما نجا منها، وبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه و سلم - ، واتفق أن مرضت عائشة ولم يحدثها رسول الله- صلى الله عليه و سلم - بالأمر إلا أنها أنكرت فى نفسها جفوة رسول الله - صلى الله عليه و سلم - لها واستأذنته أن تمـرض فى بيت أبيها . والقصـة رواها الإمام البخارى عن عائشة - رضى الله عنها وأرضاها - أنها قالت : كان رسول الله -صلى الله عليه و سلم- إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه و سلم .
- قالت عائشة : فأقرع بيننا فى غزوة غزاها فخرج سهمى فخرجت مع رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - بعد ما نزل الحجاب فأنا أُحمل فى هودجى وأنزل فيه فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله- صلى الله عليه و سلم -من غزوته تلك وقفل آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأنى أقبلت إلى رحلى فإذا عقد من جزع ظفار قد انقطع ، فالتمست عقدى وحبسنى ابتغاؤه وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لى فاحتملوا هودجى فرحلوه على بعيرى الذى كنت ركبت وهم يحسبون أنى فيه وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يثقلهن اللحم إنما يأكلن العُلقة من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا فوجدت عقدى بعد ما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فأممت منزلى الذى كنت به وظننت أنهم سيفقدوننى فيرجعون إلىّ فبينما أنا جالسة فى منزلى غلبتنى عينى فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمى ثم الذكوانى من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلى فرأى سواد إنسان نائم فأتانى ، فعرفني حين رآنى وكان يرانى قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفنى ،فخمرت وجهى بجلبابى، والله ما كلمنى كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حتى أناخ راحلته، فوطئ على يديها فركبتها، فانطلق يقود بى الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين فى نحر الظهيرة فهلك من هلك وكان الذى تولى الإفك عبد الله بن أبى بن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمتُ شهرًا والناس يفيضون فى قول أصحاب الإفك ولا أشعر بشىء من ذلك وهو يريبنى فى وجعى أنى لا أعرف من رسول الله - صلى الله عليه و سلم - اللطف الذى كنت أرى منه حين أشتكى إنما يدخل علىّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيسلم ثم يقول كيف تيكم ثم ينصرف، فذلك الذى يريبنى ولا أشعر بالشر، حتى خرجت بعد ما نقهت، فخرجت معى أم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبًا من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول فى التبرز قبل الغائط، فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا فانطلقت أنا وأم مسطح( وهى ابنة أبى رهم بن عبد مناف وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبى بكر الصديق وابنها مسطح ابن أثاثة)، فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتى وقد فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح فى مرطعها، فقالت : تعس مسطح ، فقلت لها : بئس ما قلت أتسبين رجـلاً شهد بدرًا ؟ قالت : أى هنتاه أو لم تسمعى ما قال ؟ قالت : قلت : وما قال ؟ فأخبرتنى بقول أهل الإفك، فازددت مرضًا على مرضى، فلما رجعت إلى بيتى ودخل علىّ رسول الله صلى الله عليه و سلم - فسلم ثم قال : " كيف تيكم ؟ " فقلت أتأذن لى أن آتى أبوى . قالت : وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما قالت : فأذن لى رسول الله ، فجئت أبوىّ، فقلت لأمى : يا أمتاه ما يتحدث الناس ؟ قالت : يا بنية هونى عليك، فوالله لقلما كانت امرأة وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها . قالت : فقلت : سبحان الله أو لقد تحدث الناس بهذا ؟! قالت : فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لى دمع ولا أكتحل بنوم حتى أصبحت أبكى، فدعا رسول الله - صلى الله عليه و سلم-علىّ بن أبى طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحى يستأمرهما فى فراق أهله . قالت : فأماأسامة بن زيد فأشار على رسول الله بالذى يعلم من براءة أهله وبالذى يعلم لهم فى نفسه من الود، فقال : يا رسول الله أهلك وما نعلم إلا خيرًا وأما علىّ، فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تَصدُقك فدعا رسول الله - صلى الله عليه و سلم - بريرة فقال : " أى بريرة هل رأيت من شىء يريبك ؟ " قالت بريرة : لا والذى بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرًا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتى الداجن، فتأكله، فقام رسول الله، فاستعذر يومئذ من عبد الله ابن أبي بن سلول فقال رسول الله : صلى الله عليه و سلم -: وهوعلى المنبر : " يا معشر المسلمين من يعذرنى من رجل قد بلغنى أذاه فى أهل بيتى ؟ فوالله ما علمت على أهلى إلا خيرًا ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيرًا وما كان يدخل على أهلى إلا معى " ،فقام سعد بن معاذ الأنصارى فقال : يا رسول الله وأنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك . قالت : فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان قبل ذلك رجلاً صالحًا ولكن احتملته الحمية، فقال لسعد : كذبت لعمرُ الله لا تقتله ولا تقدر على قتله . فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة : كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فتساور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله - صلى الله عليه و سلم - قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله- صلى الله عليه و سلم- يخفضهم حتى سكتوا وسكت . قالت : فمكثت يومى لا يرقأ لى دمع ولا أكتحل بنوم . قالت : فأصبح أبواى عندى وقد بكيت ليلتين ويوم لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لى دمع يظنان أن البكاء فالق كبدى . قالت : فبينما هم جالسان عندى، دخل علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم ،فسلم ثم جلس . قالت : ولم يجلس عندى منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه فى شأنى . قالت : فتشهد رسول الله حين جلس ثم قال : " أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغنى عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفرى الله وتوبى إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه " قالت : فلما قضى رسول الله مقالته، قلص دمعى حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبى : أجب رسول الله فيما قال . قال : والله ما أدرى ما أقول لرسول الله -صلى الله عليه و سلم- فقلت لأمي أجيبي رسول الله ،قالت ما أدري ما أقول له قالت : فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرًا من القرآن : إنى والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر فى أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم إنى بريئة - والله يعلم أنى بريئة - لا تصدقونى بذلك ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أنى منه بريئة لتصدقنى والله ما أجد لكم مثلاً إلا قول أبى يوسف " فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون " قالت : ثم تحولت، فاضطجعت على فراشى . قالت : وأنا أعلم أنى بريئة وأن الله مبرئى ببراءتى ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل فى شأنى وحيًا يتلى ولشأنى فى نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فىّ بأمر يتلى ولكن كنت أرجوأن يري رؤيا يبرئني بها قالت: فوالله ما قام رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه: فأخذه ما كان يأخذه من البُرحاء حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق وهو فى يوم شات من ثقل القول الذى ينزل عليه . قالت : فلما سرى عن رسول الله صلى الله عليه و سلم سُّرى عنه وهو يضحك ،فكانت أول كلمة تكلم بها : " ياعائشة أما الله فقد برَّأك " فقالت أمى: قومى إليه. قالت : فقلت : والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله وأنزل الله تعالى :" إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ .." (سورة النور آية 11) العشر آيات كلها، فلما أنزل الله براءتي قال أبو بكر الصديق- رضى الله عنه- وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره، والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد ما قال عن عائشة ما قال ، فأنزل الله تعالى:" وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِى الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " (سورة النور آية 22) قال أبو بكر : والله إنى أحب أن يغفر الله لى ، فرجع إلى النفقة التى كان ينفق عليه وقال : والله لا أنزعُها منه أبدًا . قالت عائشة : وكان رسول الله يسأل زينب بنت جحش عن أمـرى فقال : " يا زينب ماذا علمت أو رأيت " فقالت : يا رسول الله أحمى سمعى وبصرى ما علمت إلا خيرًا . قالت : وهى التى كانت تسامينى من أزواج رسول الله - صلى الله عليه و سلم-عصمها الله بالورع وطفقت أختها حمنة تحارب لها، فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك .
- وكان رسول الله - صلى الله عليه و سلم - يستدل بوجه عائشة عن رضاها وغضبها ، فلقد أخرج الإمام مسلم عن عائشة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه و سلم- : " إنى لأعلم إذا كنت علىّ غضبى " قالت : فقلت : وبم تعرف ذلك يا رسول الله ؟ قال : " إذا كنت راضية تقولين لا ورب محمد ، وإذا كنت علىّ غضبى قلت : لا ورب إبراهيم " قلت : أجل ما أهجر إلا اسمك .(وأخرجه أيضًا أبو حاتم) .
- ومن مواقفهاالمشهورة: موقفها فى معركة الجمل ، وعن موقعة الجمل يقول القرطبى معلقًا على ذلك : وأما خروجها - أى عائشة - رضى الله عنها - إلى حرب الجمل، فما خرجت لحرب ولكن تعلق بها الناس وشكوا إليها ما صاروا إليه من عظيم الفتنة وتهارج الناس ورجوا بركتها وطمعوا فى استحياء الناس منها، فخرجت مقتدية بقوله تعالى :" لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ " (النساء آية 114) . وقوله :" وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا " (الحجرات آية 9) . والأمر بالإصلاح مخاطب به كل الناس ولكن الله تعالى بسابق قضائه ونافذ حكمه أن لا يقع إصلاح ولكن مطاعنات وجراح حتى كاد يفنى الفريقان فعمد بعضهم إلى الجمل فعرقبه " ضرب عرقوبه " فلما سقط لجنبه أدرك محمـد بن أبى بكـر عائشـة - رضى الله عنها - فاحتملها إلى البصرة وخرجت فى ثلاثين امرأة قرنهن علىّ بها حتى أوصلوها إلى المدينة برة تقية مجتهدة مصيبة فيما تأولت مأجورة فيما فعلت .
- وكان رسول الله- صلى الله عليه و سلم - ينفق على نسائه بما أنعم الله تعالى عليه واجتمعت نساء النبى - صلى الله عليه و سلم- يسألنه النفقة، فأنزل الله تعالى على رسوله.
- وبدأ رسول الله - صلى الله عليه و سلم - بعائشة يخيرها بينه وبين الدنيا فقد أخرج الإمام مسلم والبخارى فى تفسير (سورة الأحزاب) قال : " يا عائشة إنى ذاكر لك أمرًا ما أحب أن تعجلى فيه حتى تستشيرى أبويك " قالت : ما هو ؟ فتلا عليها :" يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ " الآية . فقالت عائشة - رضى الله عنها وأرضاها - : أفيك أستأمر أبوى ؟ بل أختار الله ورسوله وأسألك أن لا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت . فقال : " إن الله تعالى لم يبعثنى متعنتًا ولكن بعثنى معلمًا ومبشرًا لا تسألنى امرأة منهن شيئًا إلا أخبرتها " .
- ولما قتل محمد بن أبى بكر فى مصر وكان الإمام علىّ بن أبى طالب قد ولاه عليها، فقتله أتباع معاوية لذا حرص معاوية أن يحسن علاقته مع السيدة عائشة وكانت عائشة قد جزعت لذلك جزعًا شديدًا وبقيت شهرًا كاملاً تدعو على معاوية وضمت عيال أخيها إليها ترعاهم وترأف بهم ، ولما قتل معاوية حجر بن عدى أنكرت عليه عائشة ذلك وكان معاوية يترضاها ويرسل إليها الصلات والعطايا ويكتب إليها طالبًا النصيحة ، فكتبت إليه قائلة : من طلب محامد الناس بمعاصى الله سخط الله عليه وأسخط الناس عليه .
- وكان رسول الله - صلى الله عليه و سلم - يحب عائشة ويكرمها ويلاعبها حتى أنه كان يسابقها فى الجرى فتسبقه ويسبقها ، فقد أخرج البخارى عن عائشة - رضى الله عنها وأرضاها - :قالت : سابقنى رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فسبقته حتى إذا أرهقنى اللحم" أى ثقل وزنى " سابقنى فسبقنى فقال : " هذه بتلك " .
يتبع....