أم شيماء
10-16-2008, 11:33 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله و الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله و صحبه و من اهتدى بهداه ، أما بعد :
فهذا بحث مختصرٌ في تحقيق معنى " السنة " في لغة العرب ، و في اصطلاحات أهل العلم ، أسأل الله – تعالى – التوفيق و الرشاد .
" السنة "بالضم و التشديد ، و " السَّـنَن " بالفتح تُطلق في لغة العرب على معنيين :
المعنى الأول : الطريقة و السيرة ، قال خالد بن عتبة الهذلي :
" فلا تجزعن من سنةٍ أنت سرتَها و أولُ راضٍ سنةً مَن يسيرها.
فإنَّ التـي فينا زعمت و مثـلها لفيك ، و لكني أراك تجورها " .
و قال لبيد :
"مِن معشرٍ سنت لهـم آباؤهم و لكل قومٍ سنةٌ و إمامهـا ".
و قال حسان بن ثابت - رضي الله عنه - :
" إن الذوائب من فهر و إخوتهم قـد بينوا سنـةً للناس تتبع " .
و قال الفرزدق :
" فجاء بسنة العمرين فيـها شفـاء للصدور من السقام " .
و الجمع " السُّـنَن " بالضم .
و الأكثر على شمولها لأي طريق و سيرة : سواء كانت حسنة أو سيئة ، و قد يدل السياق على أحدهما :
إما بالوصف كقول النبي - صلى الله عليه و سلم - : " من سن في الإسلام سنة حسنة " ، و " من سن في الإسلام سنة سيئة " .
و إما بالإضافة ؛ فإذا أضيفت إلى ممدوح فهي سنة حسنة كقوله – تعالى - : " سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا " [الإسراء:77] ، و إذا أضيفت إلى مذموم فهي سنة سيئة كقول النبي - صلى الله عليه و سلم - : " لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرً بشبر ، و ذراعاً بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه " ، فقلنا : يا رسول الله اليهود و النصارى ؟ قال : " فمن ؟ ! " .
و خصها بعضهم بالطريقة و السيرة الحسنة دون السيئة كما قال الأزهري : " و السنة : الطريقة المستقيمة المحمودة ؛ و لذلك قيل : " فلان من أهل السنة " ا . هـ . " تهذيب اللغة" 12/298 .
و خصها آخرون بذلك عند الإطلاق ، و جوز إطلاقها على السيئة مقيدة كما قال الخطابي - رحمه الله - .
و قد ورد لفظ " السنة "، و جمعها ، و ما تصرف منها بهذا المعنى في النصوص كثيراً :
قال الله – تعالى - : " قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف و إن يعودوا فقد مضت سنة الأولين " [الأنفال:38] ، " أي : قد مضت سنة الله في من فعل مثل فعل هؤلاء من الأولين من الأمم أن يصيبه بعذاب ؛ فليتوقعوا مثل ذلك " . " فتح القدير " 2/308 ، و انظر : " تفسير القرآن العظيم " 3/316 لابن كثير .
و قال – تعالى - : " لا يؤمنون به و قد خلت سنة الأولين " [الحجر:13] ، " أي : عادة الله فيهم بإهلاك من لم يؤمن بآيات الله " . " تيسير الكريم المنان " ص430 للسعدي .
و قال – تعالى - : " سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا و لا تجد لسنتنا تحويلاً " [الإسراء:77] ، " أي : هكذا عادتنا في الذين كفروا برسلنا " . " تفسير القرآن العظيم " 4/332 لابن كثير .
و قال – تعالى - : " و ما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى و يستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلاً " [الكهف:55] ، " أي : ما منع الناس من الإيمان ، و الحال أنَّ الهدى - الذي يحصل به الفرق بين الهدى و الضلال ، و الحق و الباطل - قد وصل إليهم ، و قامت عليهم حجة الله ، فلم يمنعهم عدم البيان ، بل منعهم الظلم و العدوان عن الإيمان ؛ فلم يبق إلا أن تأتيهم سنة الله و عادته في الأولين من أنهم إذا لم يؤمنوا عوجلوا بالعذاب ، أو يرون العذاب قد أقبل عليهم ، و رأوه مقابلة و معاينة " . " تيسير الكريم المنان " ص480 للسعدي .
و قال – تعالى - : " سنة الله في الذين خلوا من قبل و كان قدر الله مقدوراً " [الأحزاب:38] ، " أي : هذا حكم الله – تعالى - في الأنبياء قبله ،لم يكن ليأمرهم بشئ ، و عليهم في ذلك حرج " . " تفسير القرآن العظيم " 3/473 لابن كثير .
و عن جرير بن عبدالله البجلي - رضي الله عنه – قال : قال رسول الله - صلى الله عليه و سلم - : " من سن في الإسلام سنة حسنة ؛ فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ، و لا ينقص من أجورهم شئ .
و من سن في الإسلام سنة سيئة ؛ فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ، و لا ينقص من أوزارهم شئ " .
و حديث : " إنما أُنَسَّى لأَسُـنَّ " ، أي : إنما أُدفع إلى النسيان لأسوق الناس بالهداية إلى الطريق المستقيم ، و أبيِّن لهم ما يحتاجون أن يفعلوا إذا عرض لهم النسيان .
و حديث عائشة – رضي الله عنها - : " إنه نزل بالمحصَّب ، ولم يسنَّه " ، أي :لم يجعله سنة يُعمل بها .
و حديث : "سنوا بهم سنة أهل الكتاب " أي : خذوهم على طريقتهم ، و أجروهم في قبول الجزية منهم مُجْرَاهم .
المعنى الثاني : العناية بالشئ ، و الرعاية له ، يقال : " سنَّ الإبل ، يسنُّها ، سناً " إذا أحسن رِعْيتَهَا حتى كأنه صَقَلَها . انظر : " لسان العرب " 13/220-229 ، " الصحاح " 5/1721-1723، " النهاية في غريب الحديث " 2/409-413 ، " المفردات في غريب القرآن " ص45 للراغب الأصفهاني ، " الكليات " ص497 .
- و لـ " السنة " في الاصطلاح معانٍ بحسب العلم - الذي يُبْحَث فيه - :
فالسنة عند المحدثين : " ما أضيف إلى النبي - صلى الله عليه و سلم - من قول أو فعل أو يقرير أو وصف خَلْقي أو خُلُقي سواء كان قبل البعثة أو بعدها " . انظر : " فتح الباري " 13/259 ، " السنة و مكانتها في التشريع الإسلامي " ص47 للسباعي ، " دراسات في الحديث النبوي و تاريخ تدوينه " 1/1 للأعظمي ، " الحديث الضعيف و حكم الاحتجاج به " ص16للخضير ، " منهج النقد في علوم الحديث " ص29 لنور الدين عتر .
و هي ترادف الحديث عند أكثرهم . انظر : " الحديث الضعيف و حكم الاحتجاج به " ص17للخضير ، " ، " دراسات في الحديث النبوي و تاريخ تدوينه " 1/1للأعظمي ، " تحقيق معنى السنة و الحاجة إليها " للندوي .
و هذا أوسع المعاني الاصطلاحية ؛ إذ غرضهم معرفة ما كان عليه النبي - صلى الله عليه و سلم - في أحواله كلها سواء أفاد حكماً شرعياً أو لم يفد . انظر : " أصول الحديث " ص19 لمحمد عجاج الخطيب .
و السنة عند الأصوليين : " ما أضيف إلى النبي - صلى الله عليه و سلم - من قول أو فعل أو تقرير " . انظر: "الإحكام في أصول الأحكام " 1/156للآمدي ، " إرشاد الفحول " ص67 للشوكاني .
و لا يدخل فيها ما أضيف إليه قبل البعثة ، و لا الوصف الخَلْقي؛ إذ غرضهم البحث فيها كمصدر من مصادر التشريع ، و لا يثبت التشريع إلا بالقول أو الفعل أو التقرير ؛ و لهذا يطلقون عليها اسم " الدليل " . انظر : "الإحكام في أصول الأحكام " 1/159،156للآمدي ، " منهج النقد في علوم الحديث " ص 28لنور الدين عتر .
و السنة عند الفقهاء : " ما يقابل الواجب " ، و تسمى المستحب و النفل و المندوب و المرغب فيه . انظر : " العدة في أصول الفقه " 1/66لأبي يعلى ، " فتح الباري " 13/259، " إرشاد الفحول " ص 67 للشوكاني .
قال الخطيب البغدادي - رحمه الله - : " و قد غلب على ألسنة الفقهاء أنهم يطلقون السنة في ما ليس بواجب ؛ فينبغي أن يقال في حد السنة إنها ما رُسِم ليحتذى به استحباباً " ا . هـ . " الفقيه و المتفقه " 1/86 .
و السنة عند المتكلمين في أمور الاعتقاد :
تارة تطلق على ما يقابل البدعة عموماً سواء كانت علمية أم عملية ؛ فهي : " الطريقة التي كان عليها النبي - صلى الله عليه و سلم - ، و الصحابة - رضي الله عنهم - في الأقوال و الأعمال و الاعتقادات " ، و هذا الغالب في عرفهم .
قال أبو الحسن الكرجي - رحمه الله - : " اعلم أن السنة طريقة الرسول - صلى الله عليه و سلم - ، و التسنُّـن بسلوكها و إصابتها .
و هي ثلاثة أقسام : أقوال و أعمال و عقائد " ا . هـ . " مجموع الفتاوى " 4/180 .
و قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : " و لفظ "السنة" في كلام السلف يتناول السنة في العبادات و في الاعتقادات – و إن كان كثير ممن صنف في السنة يقصدون الكلام في الاعتقادات - ، و هذا كقول ابن مسعود و أبي بن كعب و أبي الدرداء - رضى الله عنهم - : " اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة " ، و أمثال ذلك " ا . هـ . " الاستقامة " 2/310 ، و انظر : " مجموع الفتاوى " 19/307 .
و قال أيضاً : " السنة هي ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه و سلم - ، و أصحابه اعتقاداً و اقتصاداً و قولاً و عملاً " ا . هـ . " مجموع الفتاوى " 5/111.
و قال أيضاً : " السنة هي ما قام الدليل الشرعي عليه بأنه طاعة الله و رسوله - صلى الله عليه و سلم - سواء فعله ،أو فُعل في زمانه ، أو لم يفعله ،ولم يُفعل على زمانه لعدم المقتضي حينئذ لفعله ، أو وجود المانع منه " ا . هـ . " مجموع الفتاوى " 21/307 .
و قال ابن رجب - رحمه الله - : " و السنة هي الطريق المسلوك ؛ فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو و خلفاؤه الراشدون من الاعتقادات و الأعمال و الأقوال .
و هذه هي السنة الكاملة ؛ و لهذا كان السلف قديماً لا يطلقون اسم "السنة" إلا على ما يشمل ذلك كله ، و روي معنى ذلك عن الحسن و الأوزاعي و الفضيل بن عياض " ا . هـ . " جامع العلوم و الحكم " 2/110 .
و تارة تطلق على ما يقابل البدعة في الاعتقادات خاصة ، و هذا عرف بعض السلف ، و كثير من المتأخرين كما قال أبو نصر السجزي - رحمه الله - : " قولنا : " سنة رسول الله - صلى الله عليه و سلم - " يعني طريقته ، و ما دعا إلى التمسك به ....
فأهل السنة هم الثابتون على اعتقاد ما نقله إليهم السلف الصالح - رحمهم الله - عن الرسول – صلى الله عليه وسلم - ، أو عن أصحابه - رضي الله عنهم - فيما لم يثبت فيه نص في الكتاب ، و لا عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنهم – رضي الله عنهم – أئمة ، و قد أمرنا باقتداء آثارهم ، و اتباع سنـتهم " ا . هـ ." رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف و الصوت " ص99 .
و قال ابن رجب - رحمه الله - : " و كثير من العلماء المتأخرين يخص اسم " السنة " بما يتعلق بالاعتقادات ؛ لأنها أصل الدين ، و المخالف فيها على خطر عظيم " ا .هـ . " جامع العلوم و الحكم " 2/111 .
و من شواهده قول سفيان بن عيينة - رحمه الله - : " السنة عشرة ، فمن كن فيه فقد استكمل السنة ، و من ترك منها شيئاً فقد ترك السنة : إثبات القدر ، و تقديم أبي بكر و عمر ، و الحوض ، و الشفاعة ،و الميزان ، و الصراط ، و الإيمان : قول و عمل ، و القرآن : كلام الله ، و عذاب القبر ، و البعث يوم القيامة ، و لا تقطعوا بالشهادة على مسلم " ا . هـ . أخرجه اللالكائي في " شرح أصول اعتقاد أهل السنة و الجماعة " 1/155، رقم (316) .
و قول الشافعي - رحمه الله - : " القول في السنة - التي أنا عليها ، و رأيت عليها - الذين رأيتهم مثل سفيان و مالك و غيرهما - الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله ، و أن محمداً رسول الله ، و أن الله على عرشه في سمائه ، يقرب من خلقه كيف شاء ، و ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء " ، و ذكر سائر الاعتقاد . أخرجه ابن قدامة المقدسي في " إثبات صفة العلو" ص124 .
و قول زكريا بن يحيى الساجي - رحمه الله - : " القول في السنة - التي رأيت عليها أصحابنا أهل الحديث الذين لقيناهم - أن الله – تعالى - على عرشه في سمائه ، يقرب من خلقه كيف شاء " ، و ساق سائر الاعتقاد . انظر : " العلو للعلي الغفار " ص205 للذهبي .
والله ولي التوفيق.....
الحمد لله و الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله و صحبه و من اهتدى بهداه ، أما بعد :
فهذا بحث مختصرٌ في تحقيق معنى " السنة " في لغة العرب ، و في اصطلاحات أهل العلم ، أسأل الله – تعالى – التوفيق و الرشاد .
" السنة "بالضم و التشديد ، و " السَّـنَن " بالفتح تُطلق في لغة العرب على معنيين :
المعنى الأول : الطريقة و السيرة ، قال خالد بن عتبة الهذلي :
" فلا تجزعن من سنةٍ أنت سرتَها و أولُ راضٍ سنةً مَن يسيرها.
فإنَّ التـي فينا زعمت و مثـلها لفيك ، و لكني أراك تجورها " .
و قال لبيد :
"مِن معشرٍ سنت لهـم آباؤهم و لكل قومٍ سنةٌ و إمامهـا ".
و قال حسان بن ثابت - رضي الله عنه - :
" إن الذوائب من فهر و إخوتهم قـد بينوا سنـةً للناس تتبع " .
و قال الفرزدق :
" فجاء بسنة العمرين فيـها شفـاء للصدور من السقام " .
و الجمع " السُّـنَن " بالضم .
و الأكثر على شمولها لأي طريق و سيرة : سواء كانت حسنة أو سيئة ، و قد يدل السياق على أحدهما :
إما بالوصف كقول النبي - صلى الله عليه و سلم - : " من سن في الإسلام سنة حسنة " ، و " من سن في الإسلام سنة سيئة " .
و إما بالإضافة ؛ فإذا أضيفت إلى ممدوح فهي سنة حسنة كقوله – تعالى - : " سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا " [الإسراء:77] ، و إذا أضيفت إلى مذموم فهي سنة سيئة كقول النبي - صلى الله عليه و سلم - : " لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرً بشبر ، و ذراعاً بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه " ، فقلنا : يا رسول الله اليهود و النصارى ؟ قال : " فمن ؟ ! " .
و خصها بعضهم بالطريقة و السيرة الحسنة دون السيئة كما قال الأزهري : " و السنة : الطريقة المستقيمة المحمودة ؛ و لذلك قيل : " فلان من أهل السنة " ا . هـ . " تهذيب اللغة" 12/298 .
و خصها آخرون بذلك عند الإطلاق ، و جوز إطلاقها على السيئة مقيدة كما قال الخطابي - رحمه الله - .
و قد ورد لفظ " السنة "، و جمعها ، و ما تصرف منها بهذا المعنى في النصوص كثيراً :
قال الله – تعالى - : " قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف و إن يعودوا فقد مضت سنة الأولين " [الأنفال:38] ، " أي : قد مضت سنة الله في من فعل مثل فعل هؤلاء من الأولين من الأمم أن يصيبه بعذاب ؛ فليتوقعوا مثل ذلك " . " فتح القدير " 2/308 ، و انظر : " تفسير القرآن العظيم " 3/316 لابن كثير .
و قال – تعالى - : " لا يؤمنون به و قد خلت سنة الأولين " [الحجر:13] ، " أي : عادة الله فيهم بإهلاك من لم يؤمن بآيات الله " . " تيسير الكريم المنان " ص430 للسعدي .
و قال – تعالى - : " سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا و لا تجد لسنتنا تحويلاً " [الإسراء:77] ، " أي : هكذا عادتنا في الذين كفروا برسلنا " . " تفسير القرآن العظيم " 4/332 لابن كثير .
و قال – تعالى - : " و ما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى و يستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلاً " [الكهف:55] ، " أي : ما منع الناس من الإيمان ، و الحال أنَّ الهدى - الذي يحصل به الفرق بين الهدى و الضلال ، و الحق و الباطل - قد وصل إليهم ، و قامت عليهم حجة الله ، فلم يمنعهم عدم البيان ، بل منعهم الظلم و العدوان عن الإيمان ؛ فلم يبق إلا أن تأتيهم سنة الله و عادته في الأولين من أنهم إذا لم يؤمنوا عوجلوا بالعذاب ، أو يرون العذاب قد أقبل عليهم ، و رأوه مقابلة و معاينة " . " تيسير الكريم المنان " ص480 للسعدي .
و قال – تعالى - : " سنة الله في الذين خلوا من قبل و كان قدر الله مقدوراً " [الأحزاب:38] ، " أي : هذا حكم الله – تعالى - في الأنبياء قبله ،لم يكن ليأمرهم بشئ ، و عليهم في ذلك حرج " . " تفسير القرآن العظيم " 3/473 لابن كثير .
و عن جرير بن عبدالله البجلي - رضي الله عنه – قال : قال رسول الله - صلى الله عليه و سلم - : " من سن في الإسلام سنة حسنة ؛ فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ، و لا ينقص من أجورهم شئ .
و من سن في الإسلام سنة سيئة ؛ فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ، و لا ينقص من أوزارهم شئ " .
و حديث : " إنما أُنَسَّى لأَسُـنَّ " ، أي : إنما أُدفع إلى النسيان لأسوق الناس بالهداية إلى الطريق المستقيم ، و أبيِّن لهم ما يحتاجون أن يفعلوا إذا عرض لهم النسيان .
و حديث عائشة – رضي الله عنها - : " إنه نزل بالمحصَّب ، ولم يسنَّه " ، أي :لم يجعله سنة يُعمل بها .
و حديث : "سنوا بهم سنة أهل الكتاب " أي : خذوهم على طريقتهم ، و أجروهم في قبول الجزية منهم مُجْرَاهم .
المعنى الثاني : العناية بالشئ ، و الرعاية له ، يقال : " سنَّ الإبل ، يسنُّها ، سناً " إذا أحسن رِعْيتَهَا حتى كأنه صَقَلَها . انظر : " لسان العرب " 13/220-229 ، " الصحاح " 5/1721-1723، " النهاية في غريب الحديث " 2/409-413 ، " المفردات في غريب القرآن " ص45 للراغب الأصفهاني ، " الكليات " ص497 .
- و لـ " السنة " في الاصطلاح معانٍ بحسب العلم - الذي يُبْحَث فيه - :
فالسنة عند المحدثين : " ما أضيف إلى النبي - صلى الله عليه و سلم - من قول أو فعل أو يقرير أو وصف خَلْقي أو خُلُقي سواء كان قبل البعثة أو بعدها " . انظر : " فتح الباري " 13/259 ، " السنة و مكانتها في التشريع الإسلامي " ص47 للسباعي ، " دراسات في الحديث النبوي و تاريخ تدوينه " 1/1 للأعظمي ، " الحديث الضعيف و حكم الاحتجاج به " ص16للخضير ، " منهج النقد في علوم الحديث " ص29 لنور الدين عتر .
و هي ترادف الحديث عند أكثرهم . انظر : " الحديث الضعيف و حكم الاحتجاج به " ص17للخضير ، " ، " دراسات في الحديث النبوي و تاريخ تدوينه " 1/1للأعظمي ، " تحقيق معنى السنة و الحاجة إليها " للندوي .
و هذا أوسع المعاني الاصطلاحية ؛ إذ غرضهم معرفة ما كان عليه النبي - صلى الله عليه و سلم - في أحواله كلها سواء أفاد حكماً شرعياً أو لم يفد . انظر : " أصول الحديث " ص19 لمحمد عجاج الخطيب .
و السنة عند الأصوليين : " ما أضيف إلى النبي - صلى الله عليه و سلم - من قول أو فعل أو تقرير " . انظر: "الإحكام في أصول الأحكام " 1/156للآمدي ، " إرشاد الفحول " ص67 للشوكاني .
و لا يدخل فيها ما أضيف إليه قبل البعثة ، و لا الوصف الخَلْقي؛ إذ غرضهم البحث فيها كمصدر من مصادر التشريع ، و لا يثبت التشريع إلا بالقول أو الفعل أو التقرير ؛ و لهذا يطلقون عليها اسم " الدليل " . انظر : "الإحكام في أصول الأحكام " 1/159،156للآمدي ، " منهج النقد في علوم الحديث " ص 28لنور الدين عتر .
و السنة عند الفقهاء : " ما يقابل الواجب " ، و تسمى المستحب و النفل و المندوب و المرغب فيه . انظر : " العدة في أصول الفقه " 1/66لأبي يعلى ، " فتح الباري " 13/259، " إرشاد الفحول " ص 67 للشوكاني .
قال الخطيب البغدادي - رحمه الله - : " و قد غلب على ألسنة الفقهاء أنهم يطلقون السنة في ما ليس بواجب ؛ فينبغي أن يقال في حد السنة إنها ما رُسِم ليحتذى به استحباباً " ا . هـ . " الفقيه و المتفقه " 1/86 .
و السنة عند المتكلمين في أمور الاعتقاد :
تارة تطلق على ما يقابل البدعة عموماً سواء كانت علمية أم عملية ؛ فهي : " الطريقة التي كان عليها النبي - صلى الله عليه و سلم - ، و الصحابة - رضي الله عنهم - في الأقوال و الأعمال و الاعتقادات " ، و هذا الغالب في عرفهم .
قال أبو الحسن الكرجي - رحمه الله - : " اعلم أن السنة طريقة الرسول - صلى الله عليه و سلم - ، و التسنُّـن بسلوكها و إصابتها .
و هي ثلاثة أقسام : أقوال و أعمال و عقائد " ا . هـ . " مجموع الفتاوى " 4/180 .
و قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : " و لفظ "السنة" في كلام السلف يتناول السنة في العبادات و في الاعتقادات – و إن كان كثير ممن صنف في السنة يقصدون الكلام في الاعتقادات - ، و هذا كقول ابن مسعود و أبي بن كعب و أبي الدرداء - رضى الله عنهم - : " اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة " ، و أمثال ذلك " ا . هـ . " الاستقامة " 2/310 ، و انظر : " مجموع الفتاوى " 19/307 .
و قال أيضاً : " السنة هي ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه و سلم - ، و أصحابه اعتقاداً و اقتصاداً و قولاً و عملاً " ا . هـ . " مجموع الفتاوى " 5/111.
و قال أيضاً : " السنة هي ما قام الدليل الشرعي عليه بأنه طاعة الله و رسوله - صلى الله عليه و سلم - سواء فعله ،أو فُعل في زمانه ، أو لم يفعله ،ولم يُفعل على زمانه لعدم المقتضي حينئذ لفعله ، أو وجود المانع منه " ا . هـ . " مجموع الفتاوى " 21/307 .
و قال ابن رجب - رحمه الله - : " و السنة هي الطريق المسلوك ؛ فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو و خلفاؤه الراشدون من الاعتقادات و الأعمال و الأقوال .
و هذه هي السنة الكاملة ؛ و لهذا كان السلف قديماً لا يطلقون اسم "السنة" إلا على ما يشمل ذلك كله ، و روي معنى ذلك عن الحسن و الأوزاعي و الفضيل بن عياض " ا . هـ . " جامع العلوم و الحكم " 2/110 .
و تارة تطلق على ما يقابل البدعة في الاعتقادات خاصة ، و هذا عرف بعض السلف ، و كثير من المتأخرين كما قال أبو نصر السجزي - رحمه الله - : " قولنا : " سنة رسول الله - صلى الله عليه و سلم - " يعني طريقته ، و ما دعا إلى التمسك به ....
فأهل السنة هم الثابتون على اعتقاد ما نقله إليهم السلف الصالح - رحمهم الله - عن الرسول – صلى الله عليه وسلم - ، أو عن أصحابه - رضي الله عنهم - فيما لم يثبت فيه نص في الكتاب ، و لا عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنهم – رضي الله عنهم – أئمة ، و قد أمرنا باقتداء آثارهم ، و اتباع سنـتهم " ا . هـ ." رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف و الصوت " ص99 .
و قال ابن رجب - رحمه الله - : " و كثير من العلماء المتأخرين يخص اسم " السنة " بما يتعلق بالاعتقادات ؛ لأنها أصل الدين ، و المخالف فيها على خطر عظيم " ا .هـ . " جامع العلوم و الحكم " 2/111 .
و من شواهده قول سفيان بن عيينة - رحمه الله - : " السنة عشرة ، فمن كن فيه فقد استكمل السنة ، و من ترك منها شيئاً فقد ترك السنة : إثبات القدر ، و تقديم أبي بكر و عمر ، و الحوض ، و الشفاعة ،و الميزان ، و الصراط ، و الإيمان : قول و عمل ، و القرآن : كلام الله ، و عذاب القبر ، و البعث يوم القيامة ، و لا تقطعوا بالشهادة على مسلم " ا . هـ . أخرجه اللالكائي في " شرح أصول اعتقاد أهل السنة و الجماعة " 1/155، رقم (316) .
و قول الشافعي - رحمه الله - : " القول في السنة - التي أنا عليها ، و رأيت عليها - الذين رأيتهم مثل سفيان و مالك و غيرهما - الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله ، و أن محمداً رسول الله ، و أن الله على عرشه في سمائه ، يقرب من خلقه كيف شاء ، و ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء " ، و ذكر سائر الاعتقاد . أخرجه ابن قدامة المقدسي في " إثبات صفة العلو" ص124 .
و قول زكريا بن يحيى الساجي - رحمه الله - : " القول في السنة - التي رأيت عليها أصحابنا أهل الحديث الذين لقيناهم - أن الله – تعالى - على عرشه في سمائه ، يقرب من خلقه كيف شاء " ، و ساق سائر الاعتقاد . انظر : " العلو للعلي الغفار " ص205 للذهبي .
والله ولي التوفيق.....