أم شيماء
05-29-2009, 09:13 PM
الكذبُ محرَّم، هذا ما يعرفه كل مسلم يؤمن بالله ربًّا، وبالإسلام دينا، وبمحمد - صلَّى الله عليه وسلم - نبيًّا ورسولاً؛ وذلك لأنَّ الأمرَ في الإسلام مبناه على الصِّدق، فالصدق أمانة، والكذب خيانة، ولا يزال الرَّجُل يصدق ويتحرَّى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، ولا يزال يكذب ويتحرَّى الكذب حتى يكتب عند الله كذَّابًا[1].
والكذب ثلاثة أقسام: كذب على الله، وكذب على النَّفس، وكذب على الخلق.
فأمَّا الكذب على الله، فيقول الله - تعالى - فيه: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر: 60].
وله عدَّة معانٍ؛ منها: إنكار أمر الله ونهيه، ولو كان عمل الإنسان على وفقهما.
ومنها: ادِّعاء ما ليس لله أنَّه لله، مثل ادِّعاء الولد أو الزَّوجة أو الشَّريك أو النِّد له - سبحانه.
ومنها: القول على الله بغير علم، كأنْ يُفتي على غير مقتضى الأدلَّة الشرعيَّة عمدًا، أمَّا خطأ المفتي المجتهد ذي الأهليَّة فمغفور؛ لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ، فله أجر))[2].
ولذا يجب على المُفتي أمران هما: حسن القصد، وتحرِّي الصواب، وخير له أنْ يقولَ: لا أدري من أنْ يُخطئ في فتواه، ولقد رُوِيَ عن بعض أهل العلم أنَّ نصف العلم: لا أدري[3].
أمَّا أشد أنواع الكذب على الله - تعالى - فهو أن يقول العبد: أوحيَ إليَّ عن الله، وهو لم يوحَ إليه شيء؛ كما قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [الأنعام: 93]؛ وذلك لأنَّ هذا الفعل القبيح ادِّعاء للنُّبوة، وهي من الاصطفاءات الإلهيَّة التي لا دَخْلَ للكسب والجهد البشري فيها أو في تحصيلها؛ بل هي محض اختيار من الله - تعالى - وقد ختمت بمحمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - كما هو معلوم بالضَّرورة من دين الإسلام.
وقد ادَّعى النبوة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - كذَّابون منهم: مُسيلمة الكذاب، وسجاح بنت الحارث، كما ادَّعاها في العصر الحديث عددٌ من الكذَّابين منهم القادياني الكذاب.
وأمَّا الكذب على النفس، فقد قال الله - تعالى - فيه: {انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 24]، وذلك كالجاحد للحقِّ، وهو يعلم أنه حقٌّ، كما في قوله - تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14]، وهي حال كحال أبي جهل الذي كان يعرف صدق النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ومع ذلك كفر به جحودًا واستعلاءً وحَسَدًا.
وأمَّا الكذب على النَّاس، فيقول فيه الحق - جلَّ وعلا: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1].
وكذب المنافقين بحسب نوع نفاقهم، فالنِّفاق الاعتقادي الذي يعني إبطان الكُفر وادِّعاء الإيمان - هو كذب على النَّفس من وجه، وكذب على النَّاس من وجه، وكذب على الله من وجه.
وأمَّا النِّفاق العملي الذي من أنواعه الكذب: "إذا حدَّث كذب"، فهو كذب على الناس، وكذب على النَّفس؛ حيثُ يعلم الكذَّاب المتعمد للكذب أنَّه كاذب فيما يُحدِّث به الناس، وقد يدخل في الكذب على الله إذا حدَّث بما يعلم أنَّه ليس صحيحًا في أمر الدين، ولا شَكَّ أنَّ الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو من الكذب المُغلَّظ - يدخل في الأقسام الثلاثة من الكذب.
يدخل في الكذب على الله - تعالى - لأنَّ ما ينسبه الكذَّاب إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - مما لا تصحُّ نسبته إليه - صلى الله عليه وسلم - هو إدخال ما ليس من الوحي الإلهي في الوحي الإلهي؛ لأنَّ نُطقَ الرسول وحي؛ حيث يقول - تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3-4].
فالقرآن هو الوحي الجليُّ الذي ينسب إلى الله - تعالى - لفظًا ومعنًى، وقد نزل على قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخطاب المَلَك المكلف بالوحي، وله صُوَرٌ متعددة، منها: أنْ يأتيه مثل صلصلة الجرس، ويتلبَّس به الملك المكلف بالوحي جبريل - عليه السلام - ومنها: أن يتمثل له الملك رجلاً فيخاطبه؛ كما حدث في غار حراء، عند نزول سورة العلق في بدء الوحي.
روى البخاري من حديث عائشة - رضي الله عنها -: "إنَّ الحارث بن هشام - رضي الله عنه - سأل رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليَّ، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملكُ رجلاً، فيكلمني فأعي ما يقول))[4].
وأمَّا السُّنَّة فهي من الله - تعالى - معنًى لا لفظًا، وبهذا يتميز القرآن بأنَّه النَّص الإلهي المعجز، المُتحدَّى بلفظه ومعناه كلُّ الجن والإنس مُجتمعين، وتتميَّز السنة النبوية بأنَّها الوحي الثَّاني المبين للوحي الأول، بالقول والعمل والإقرار.
وبهذا يتَّضح أنَّ الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - بنسبة ما لم يقله النبي - صلى الله عليه وسلم - إليه، هو نوع من الكذب على الله تعالى.
كما يدخل الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الكذب على الخلق من وجهين:
الأول: أنه كذب على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو أشرف الخلق، بنسبة ما لم يقُله إليه، وبقدر عُلُوِّ منزلة مَن نَسَبْتَ إليه ما لم يقلْ، يزداد فُحش الكذب وغلظه.
الثاني: أنَّ الكاذب على رسول الله يخبر النَّاس بخبر كاذب، وهم له مُصدِّقون، فهو كذب عليهم في نفس الوقت الذي هو كذب على رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم.
ولقد كَذَبَ اليهود على أنبيائهم، وحرَّفوا كتابَ ربِّهم، ونسبوا إلى الله - تعالى - وإلى الأنبياء والرُّسل - عليهم السلام - ما لم يقولوه، وكَذَبَ النَّصارى كذلك، ونسبوا إلى الله - تعالى - وإلى أنبيائه ورسله - عليهم السلام - ما لم يقولوه، وقد قال الله - تعالى - عنهم: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79].
وذلك أنَّ الله - تعالى - استحفظهم على ما أنزل على رسلهم فضيَّعوه، وحرَّفوه، وادَّعَوْا على الله - تعالى - ورسله ما لم يَقُلْه الحقُّ - جل وعلا - وما لم يخبر به رسلُه - عليهم السلام - ولكن الله - تعالى - اختصَّ هذه الأُمَّة بحفظ كتاب الله - تعالى - فلا تطولُه يدُ التحريف أو التبديل أو التغيير، ويتبع حفظَ كتاب الله - تعالى - حفظُ سُنَّة النبي - صلى الله عليه وسلم.
ولقد كانت أولى مُحاولات الكذب على الله - تعالى - ما قام به أدعياءُ النُّبوة قبل زمن النبي وأثناء حياته وبعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - فادَّعوا أنَّ الوحي يأتيهم من السَّماء، كما كان ينزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن الصَّحابة - رضِيَ الله عنهم، وعلى رأسهم أبو بكر الصِّديق - تصدَّوا لأولئك الأدعياء الكذَّابين، ومرَّت هذه الفتنة العَمْياء بعدما استُؤصِلَت من جذورها.
ولقد كان صحابة النَّبي - صلى الله عليه وسلم - الذين حملوا علمه، واتَّبعوه في أعماله - لا يعرفون الكَذِبَ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل لم يكُنْ يخطر ببال أحدهم، فلَمَّا وقعت الفتنة في أواخر العصر الرَّاشدي، بدأ الكذب والدَّسُّ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيثُ لم يستطعْ أولئك النَّفَر من أتْبَاع عبدالله بن سبأ - السبئيَّة - أن يُحرفوا في كتاب الله - تعالى - المتواتر بين الصَّحابة المحفوظ في الصُّدور والقُلُوب، وخصوصًا بعد أنْ جمعه أبو بكر الصِّدِّيق - رضي الله عنه - فأحسن جمعه.
ثم أتم عثمان بن عفان - رضي الله عنه - هذا العمل العظيم عندما جمع القرآن للمرَّة الثانية على حرف واحد في المصحف العثماني، بعد اتِّساع الفتوحات الإسلاميَّة شرقًا وغربًا، ودخول كثير من العجم في الإسلام، فكان المصحف العُثماني الذي أرسل عُثمانُ نُسَخًا منه إلى كُلِّ مِصْرٍ من أمصارِ الدَّولة الإسلاميَّة في ذلك الوقت[5].
وكان ذلك ثمرة لتعهُّد الله بحفظه؛ {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، بل إنَّ تواتُر القرآن في قراءاته العشر المتواترة قد حفظ لكلِّ حرفٍ من القرآن، بل لكل حركة فيه مكانَها من أن ينالَها التحريفُ أو التغيير أو التبديل؛ فقد اشتهر بين الصَّحابة - رضي الله عنهم - عددٌ كبير من القُرَّاء أخذوا القرآن تلقِّيًا من فَمِ النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم: أُبَيُّ بنُ كعب، ومعاذُ بن جبل، وغيرهم - رضي الله عنهم جميعًا - ثُمَّ نقل عنهم بالتواتُر إلى اليوم.
أمَّا بالنسبة للسُّنَّة النبويَّة، فقد كان في خلافة عمر - رضي الله عنه - يُسْأَلُ مَن يَنسُبُ قولاً أو عملاً للنَّبي - صلى الله عليه وسلم - عن شاهد من الصَّحابة؛ للتثبُّت، وإن كان هذا لا يَحدثُ في كلِّ حادثة، فلَمَّا وقعت الفتنة، كانوا لا يتلقَّون عن أهل البِدَع، ويقولون لمن يروُون عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم: سَمُّوا لنا رجالَكم، فيُنظَرُ إلى أهل البِدَع، ويُجتنَب حديثُهم.
ومنذ ذلك الوقت المبكِّر في تاريخ الإسلام، وُضِعَ أصلُ المنهج العلمي لحفظ السنة النبوية، وهو النَّظر في رجال السَّند، وثَبَتَ في "الصِّحاح" في حديث أبي شاة، وفي "السنن" في حديث عبدالله بن عمرو، وفي "الصحيح" في حديث علي - رضي الله عنه - في الصحيفة، وفي غيره، وكذلك في كثيرٍ من الدِّراسات المعاصرة - أنَّ تدوينَ السنة بدأ في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم، فقد أَذِنَ النبيُّ لبعض صَحَابته كعبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - في كتابة الحديث عنه.
وذلك برغم أنَّه - صلى الله عليه وسلم - نهى نهيًا عامًّا عن كتابة غير القُرآن عنه - صلَّى الله عليه وسلَّم - حتَّى لا يختلط القرآن بغيره، فقد كان هذا الإذن الخاصُّ مع أمن الاختلاط؛ ولذا توجد صحيفةُ عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - بطولها في مُسند الإمام أحمد، وكان عبدالله بن عمرو يسمِّيها "الصَّادقة"[6].
إذًا؛ لما وقعت الفتنة، بَدَأ تمحيصُ الرِّوايات، وبدأت معرفة الحديث المسند إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من غيره عند أئمة التَّابعين؛ ولكنَّ الجَمْعَ بدأ الشُّروع فيه حينما أَمَرَ عمر بن عبدالعزيز بجمع السُّنَّة وتدوينها؛ حيثُ كتب لبعض عُلماء عصره، وإلى عمرو بن حزم، وكان واليَه على المدينة: "أَنِ انْظُر ما كان من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاكْتُبه، فإنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العلم وذَهَابَ العُلماء"[7].
بعد أنْ صُنِّفت التصانيفُ المفردة قبل المرحلة التي كانت فيها الأحاديث مُنتشرة على ألسنة التابعين وفي صُحُفهم، وكانوا يَجتهدون في التَّعرُّف على صحيحها من سقيمها، في ضَوْء منهجٍ علمي صحيح رصين، يعتمد على سلسلة الإسناد، ونقد الرجال، والأخذ عمَّن اشتهر بالعدالة والضَّبط من الرِّجال - جاءت المرحلة التي دُوِّنَ فيها مُسند أبي حنيفة بأيدي تلامذته[8]، وموطأ مالك، ومسند الشافعي، وكان أوسعها وأجمعها مُسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، والذي رتَّبه على أسماء صَحابة النَّبي - صلى الله عليه وسلم - حيثُ بدأ بمسند أبي بكر، ثُم عمر، ثم عثمان، ثم علي - رضي الله عنهم أجمعين.
والكذب ثلاثة أقسام: كذب على الله، وكذب على النَّفس، وكذب على الخلق.
فأمَّا الكذب على الله، فيقول الله - تعالى - فيه: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر: 60].
وله عدَّة معانٍ؛ منها: إنكار أمر الله ونهيه، ولو كان عمل الإنسان على وفقهما.
ومنها: ادِّعاء ما ليس لله أنَّه لله، مثل ادِّعاء الولد أو الزَّوجة أو الشَّريك أو النِّد له - سبحانه.
ومنها: القول على الله بغير علم، كأنْ يُفتي على غير مقتضى الأدلَّة الشرعيَّة عمدًا، أمَّا خطأ المفتي المجتهد ذي الأهليَّة فمغفور؛ لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ، فله أجر))[2].
ولذا يجب على المُفتي أمران هما: حسن القصد، وتحرِّي الصواب، وخير له أنْ يقولَ: لا أدري من أنْ يُخطئ في فتواه، ولقد رُوِيَ عن بعض أهل العلم أنَّ نصف العلم: لا أدري[3].
أمَّا أشد أنواع الكذب على الله - تعالى - فهو أن يقول العبد: أوحيَ إليَّ عن الله، وهو لم يوحَ إليه شيء؛ كما قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [الأنعام: 93]؛ وذلك لأنَّ هذا الفعل القبيح ادِّعاء للنُّبوة، وهي من الاصطفاءات الإلهيَّة التي لا دَخْلَ للكسب والجهد البشري فيها أو في تحصيلها؛ بل هي محض اختيار من الله - تعالى - وقد ختمت بمحمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - كما هو معلوم بالضَّرورة من دين الإسلام.
وقد ادَّعى النبوة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - كذَّابون منهم: مُسيلمة الكذاب، وسجاح بنت الحارث، كما ادَّعاها في العصر الحديث عددٌ من الكذَّابين منهم القادياني الكذاب.
وأمَّا الكذب على النفس، فقد قال الله - تعالى - فيه: {انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 24]، وذلك كالجاحد للحقِّ، وهو يعلم أنه حقٌّ، كما في قوله - تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14]، وهي حال كحال أبي جهل الذي كان يعرف صدق النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ومع ذلك كفر به جحودًا واستعلاءً وحَسَدًا.
وأمَّا الكذب على النَّاس، فيقول فيه الحق - جلَّ وعلا: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1].
وكذب المنافقين بحسب نوع نفاقهم، فالنِّفاق الاعتقادي الذي يعني إبطان الكُفر وادِّعاء الإيمان - هو كذب على النَّفس من وجه، وكذب على النَّاس من وجه، وكذب على الله من وجه.
وأمَّا النِّفاق العملي الذي من أنواعه الكذب: "إذا حدَّث كذب"، فهو كذب على الناس، وكذب على النَّفس؛ حيثُ يعلم الكذَّاب المتعمد للكذب أنَّه كاذب فيما يُحدِّث به الناس، وقد يدخل في الكذب على الله إذا حدَّث بما يعلم أنَّه ليس صحيحًا في أمر الدين، ولا شَكَّ أنَّ الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو من الكذب المُغلَّظ - يدخل في الأقسام الثلاثة من الكذب.
يدخل في الكذب على الله - تعالى - لأنَّ ما ينسبه الكذَّاب إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - مما لا تصحُّ نسبته إليه - صلى الله عليه وسلم - هو إدخال ما ليس من الوحي الإلهي في الوحي الإلهي؛ لأنَّ نُطقَ الرسول وحي؛ حيث يقول - تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3-4].
فالقرآن هو الوحي الجليُّ الذي ينسب إلى الله - تعالى - لفظًا ومعنًى، وقد نزل على قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخطاب المَلَك المكلف بالوحي، وله صُوَرٌ متعددة، منها: أنْ يأتيه مثل صلصلة الجرس، ويتلبَّس به الملك المكلف بالوحي جبريل - عليه السلام - ومنها: أن يتمثل له الملك رجلاً فيخاطبه؛ كما حدث في غار حراء، عند نزول سورة العلق في بدء الوحي.
روى البخاري من حديث عائشة - رضي الله عنها -: "إنَّ الحارث بن هشام - رضي الله عنه - سأل رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليَّ، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملكُ رجلاً، فيكلمني فأعي ما يقول))[4].
وأمَّا السُّنَّة فهي من الله - تعالى - معنًى لا لفظًا، وبهذا يتميز القرآن بأنَّه النَّص الإلهي المعجز، المُتحدَّى بلفظه ومعناه كلُّ الجن والإنس مُجتمعين، وتتميَّز السنة النبوية بأنَّها الوحي الثَّاني المبين للوحي الأول، بالقول والعمل والإقرار.
وبهذا يتَّضح أنَّ الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - بنسبة ما لم يقله النبي - صلى الله عليه وسلم - إليه، هو نوع من الكذب على الله تعالى.
كما يدخل الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الكذب على الخلق من وجهين:
الأول: أنه كذب على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو أشرف الخلق، بنسبة ما لم يقُله إليه، وبقدر عُلُوِّ منزلة مَن نَسَبْتَ إليه ما لم يقلْ، يزداد فُحش الكذب وغلظه.
الثاني: أنَّ الكاذب على رسول الله يخبر النَّاس بخبر كاذب، وهم له مُصدِّقون، فهو كذب عليهم في نفس الوقت الذي هو كذب على رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم.
ولقد كَذَبَ اليهود على أنبيائهم، وحرَّفوا كتابَ ربِّهم، ونسبوا إلى الله - تعالى - وإلى الأنبياء والرُّسل - عليهم السلام - ما لم يقولوه، وكَذَبَ النَّصارى كذلك، ونسبوا إلى الله - تعالى - وإلى أنبيائه ورسله - عليهم السلام - ما لم يقولوه، وقد قال الله - تعالى - عنهم: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79].
وذلك أنَّ الله - تعالى - استحفظهم على ما أنزل على رسلهم فضيَّعوه، وحرَّفوه، وادَّعَوْا على الله - تعالى - ورسله ما لم يَقُلْه الحقُّ - جل وعلا - وما لم يخبر به رسلُه - عليهم السلام - ولكن الله - تعالى - اختصَّ هذه الأُمَّة بحفظ كتاب الله - تعالى - فلا تطولُه يدُ التحريف أو التبديل أو التغيير، ويتبع حفظَ كتاب الله - تعالى - حفظُ سُنَّة النبي - صلى الله عليه وسلم.
ولقد كانت أولى مُحاولات الكذب على الله - تعالى - ما قام به أدعياءُ النُّبوة قبل زمن النبي وأثناء حياته وبعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - فادَّعوا أنَّ الوحي يأتيهم من السَّماء، كما كان ينزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن الصَّحابة - رضِيَ الله عنهم، وعلى رأسهم أبو بكر الصِّديق - تصدَّوا لأولئك الأدعياء الكذَّابين، ومرَّت هذه الفتنة العَمْياء بعدما استُؤصِلَت من جذورها.
ولقد كان صحابة النَّبي - صلى الله عليه وسلم - الذين حملوا علمه، واتَّبعوه في أعماله - لا يعرفون الكَذِبَ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل لم يكُنْ يخطر ببال أحدهم، فلَمَّا وقعت الفتنة في أواخر العصر الرَّاشدي، بدأ الكذب والدَّسُّ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيثُ لم يستطعْ أولئك النَّفَر من أتْبَاع عبدالله بن سبأ - السبئيَّة - أن يُحرفوا في كتاب الله - تعالى - المتواتر بين الصَّحابة المحفوظ في الصُّدور والقُلُوب، وخصوصًا بعد أنْ جمعه أبو بكر الصِّدِّيق - رضي الله عنه - فأحسن جمعه.
ثم أتم عثمان بن عفان - رضي الله عنه - هذا العمل العظيم عندما جمع القرآن للمرَّة الثانية على حرف واحد في المصحف العثماني، بعد اتِّساع الفتوحات الإسلاميَّة شرقًا وغربًا، ودخول كثير من العجم في الإسلام، فكان المصحف العُثماني الذي أرسل عُثمانُ نُسَخًا منه إلى كُلِّ مِصْرٍ من أمصارِ الدَّولة الإسلاميَّة في ذلك الوقت[5].
وكان ذلك ثمرة لتعهُّد الله بحفظه؛ {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، بل إنَّ تواتُر القرآن في قراءاته العشر المتواترة قد حفظ لكلِّ حرفٍ من القرآن، بل لكل حركة فيه مكانَها من أن ينالَها التحريفُ أو التغيير أو التبديل؛ فقد اشتهر بين الصَّحابة - رضي الله عنهم - عددٌ كبير من القُرَّاء أخذوا القرآن تلقِّيًا من فَمِ النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم: أُبَيُّ بنُ كعب، ومعاذُ بن جبل، وغيرهم - رضي الله عنهم جميعًا - ثُمَّ نقل عنهم بالتواتُر إلى اليوم.
أمَّا بالنسبة للسُّنَّة النبويَّة، فقد كان في خلافة عمر - رضي الله عنه - يُسْأَلُ مَن يَنسُبُ قولاً أو عملاً للنَّبي - صلى الله عليه وسلم - عن شاهد من الصَّحابة؛ للتثبُّت، وإن كان هذا لا يَحدثُ في كلِّ حادثة، فلَمَّا وقعت الفتنة، كانوا لا يتلقَّون عن أهل البِدَع، ويقولون لمن يروُون عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم: سَمُّوا لنا رجالَكم، فيُنظَرُ إلى أهل البِدَع، ويُجتنَب حديثُهم.
ومنذ ذلك الوقت المبكِّر في تاريخ الإسلام، وُضِعَ أصلُ المنهج العلمي لحفظ السنة النبوية، وهو النَّظر في رجال السَّند، وثَبَتَ في "الصِّحاح" في حديث أبي شاة، وفي "السنن" في حديث عبدالله بن عمرو، وفي "الصحيح" في حديث علي - رضي الله عنه - في الصحيفة، وفي غيره، وكذلك في كثيرٍ من الدِّراسات المعاصرة - أنَّ تدوينَ السنة بدأ في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم، فقد أَذِنَ النبيُّ لبعض صَحَابته كعبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - في كتابة الحديث عنه.
وذلك برغم أنَّه - صلى الله عليه وسلم - نهى نهيًا عامًّا عن كتابة غير القُرآن عنه - صلَّى الله عليه وسلَّم - حتَّى لا يختلط القرآن بغيره، فقد كان هذا الإذن الخاصُّ مع أمن الاختلاط؛ ولذا توجد صحيفةُ عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - بطولها في مُسند الإمام أحمد، وكان عبدالله بن عمرو يسمِّيها "الصَّادقة"[6].
إذًا؛ لما وقعت الفتنة، بَدَأ تمحيصُ الرِّوايات، وبدأت معرفة الحديث المسند إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من غيره عند أئمة التَّابعين؛ ولكنَّ الجَمْعَ بدأ الشُّروع فيه حينما أَمَرَ عمر بن عبدالعزيز بجمع السُّنَّة وتدوينها؛ حيثُ كتب لبعض عُلماء عصره، وإلى عمرو بن حزم، وكان واليَه على المدينة: "أَنِ انْظُر ما كان من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاكْتُبه، فإنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العلم وذَهَابَ العُلماء"[7].
بعد أنْ صُنِّفت التصانيفُ المفردة قبل المرحلة التي كانت فيها الأحاديث مُنتشرة على ألسنة التابعين وفي صُحُفهم، وكانوا يَجتهدون في التَّعرُّف على صحيحها من سقيمها، في ضَوْء منهجٍ علمي صحيح رصين، يعتمد على سلسلة الإسناد، ونقد الرجال، والأخذ عمَّن اشتهر بالعدالة والضَّبط من الرِّجال - جاءت المرحلة التي دُوِّنَ فيها مُسند أبي حنيفة بأيدي تلامذته[8]، وموطأ مالك، ومسند الشافعي، وكان أوسعها وأجمعها مُسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، والذي رتَّبه على أسماء صَحابة النَّبي - صلى الله عليه وسلم - حيثُ بدأ بمسند أبي بكر، ثُم عمر، ثم عثمان، ثم علي - رضي الله عنهم أجمعين.